المائدة [1] ، لأن المناط الذي أنزلت فيه كان هو الامتناع عن حكم الله وتركه، والتحاكم إلى تشريع آخر، وهو ما تواتر عن السلف بأنه كفر أكبر، وهو الذي قال عنه البراء: (في الكفار كلها) ، إنما قول ابن عباس كان في المناط الذي أنزل الخوارج فيه الآية .. كما أنه لم يحصل الخلاف بين السلف في أن التحاكم إلى غير شرع الله، واتباع تشريع مخالف لشرع الله تعالى هو كفر أكبر، وهو نفس ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [2] . فإن عباس وكل الصحابة لم يكونوا يخالفون في أن التحاكم إلى شرع غير شرع الله كفر أكبر، ولذلك لم يشترط أحد منهم الجحود أو الاستحلال للتكفير بذلك، وإنما اشترطوه لما هو من المعاصي التي ليست كفرا ...
كما احتج هؤلاء بتفسير ابن القيم لقوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] ) ، بقوله: (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه"الواقعة"وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطىء له حكم المخطئين) [3] ، وهذا هو الصواب، وإنما يوجد الإشكال في حمل أدعياء"السلفية"لكلام ابن القيم على صورة حكم الطواغيت المعاصرين، أما الحاكم الذي مثل به ابن القيم فقد أقر بالوجوب، ودان بحكم الله عز وجل، وإنما حكم في"الواقعة"بهواه كمعصية، فهذا هو الذي اشترط فيه أكثر علماء السلف الجحد لتكفيره، لأن الأصل فيه الالتزام بشرع الله، لكنه ترك حكم الله في"الواقعة"عصيانا منه دون أن يتحاكم إلى شرع آخر، ولهذا اعتبر ابن القيم تأويل عكرمة للآية -على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له- بأنه تأويل مرجوح، قال: (ومنهم من تأول الآية [4] على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم) [5]
وإن من نظر في سبب نزول آية المائدة سيرى أن اليهود تركوا جنس الحد في الزاني المحصن، واجتمعوا على تشريع آخر في عقوبة الزنا التزموا به واتبعوه.
أما الكفر الذي أشارت إليه سورة (المائدة) فقد ترتب على:
(1) قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] .
(2) رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح ..
(3) مدارج السالكين (1/ 365) .
(4) المائدة44 ..
(5) مدارج السالكين (1/ 337،336) .