الصفحة 10 من 46

1 -ترك حد الله في زنا الثيب (أو على ترك جنس حد الله فيه والإعراض عنه) .

2 -ثم التشريع مع الله عز وجل والالتزام به، وهو تحاكم إلى الطاغوت وحكم بغير ما أنزل الله، وكلاهما جريمتان مكفرتان.

وآية سورة المائدة لفظها عام، وظاهرها يتناول الحكم بغير ما أنزل الله من زاوية التشريع الكفري الطاغوتي، كما يشمل الترك المجرد كمعصية(فهي إن لم تفهم على ضوء سبب النزول وأبقيت على عمومها هذا صارت من المتشابه، ولذلك تمسك الخوارج بظاهرها لتكفير كل من عصى الله كما زعموا.

ولكن رد المتشابه إلى المحكم وفهم نص الكتاب على ضوء بيان السنة النبوية كما هي طريقة الراسخين في العلم يظهر من سبب النزول أن مناط التكفير في الآية هو الإعراض عن حكم الله ولو في حد واحد من حدود الشرع، والحكم بشرع آخر غيره، فهذا هو المناط المكفر الذي لا يذكر معه الجحد، أما ما كان ينتقده الخوارج على ولاة زمانهم ويستدلون بالآية منزلينها على غير مناطها، فهو الذي اشترط له السلف الجحد وأولوا الآية فيه) (ذكره أبو محمد المقدسي في النكت اللوامع) .

وقد أشرت في تفصيل هذه الرسالة إلى أن لفظ الجحد لم يكن يعني أحيانا عند السلف إلا الترك [1] ، رغم أن الشائع عند كثير من المتأخرين هو استعمال لفظ الجحد في إنكار الواجب، إلا أن هذا غير صحيح بإطلاق.

وتجدر الإشارة إلى أن الجحود يتعلق بالأمر كما يتعلق بالخبر، فهو عندما يتعلق بالأمر يكون بمعنى الترك، ولهذا يكفر تاركه كشأن الحاكمين بغير ما أنزل الله تعالى، وهو ما ذكره الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] ، قال: ( ... قيل إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون) ، فانظر كيف قرن بين الجحود والترك في قوله (بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه) ، وغير هذا كثير في مقالات السلف، الذين لم يأت الجحد غالبا إلا في كلامهم، ويقصدون به الترك والتولي لا عدم الإقرار بالوجوب ...

أما غاية ما ادعاه كثير من أدعياء السلفية الجدد فهو أن من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بدون نظر إلى الاستحلال سيلزم منه (دواه وبليات) (!!) وبأن هذا الأمر خطير للغاية (يجرىء الناس على تكفير الحكام ثم تكون الفتنة والدماء) . وتأمل معي في (تنبيه مهم جدا) قاله أحد هؤلاء: (وها هنا أخيرا -تنبيه مهم جدا- وهو أن بعض المخالفين من المكفرين يتكئون على أمثال(تلك) الفتاوى، ليصدروا من خلالها أحكاما عاطفية (شبابية) جزافية (!) على بعض الدول (الإسلامية) ، نعم (الإسلامية) المعاصرة، بحجة أن هذه الدول لها (قوانين) ، و (تشريعات عامة) تخالف حكم الله، وتقنن بها الحكم بغير ما أنزل

(1) (التروك أفعال على الصحيح) كما قال ابن حجر، انظر (فتح الباري 12/ 315) و (مذكرة أصول الفقه) للشيخ محمد أمين الشنقيطي). (ص46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت