إن أكبر آفة أصابت أمة الإسلام منذ عصور مضت هي أنها فقدت من يجهر بالحق ويعلن أمره إلى الناس وهذا كان بسبب (سكوت العلماء على الطواغيت ورغبة الحكام في أناس يساقون كالأغنام، ونشوء معان في الإسلام لم تكن موجودة في القرون الأولى التي هي خير القرون، هذه المعاني هي السكوت على الباطل والظلم والانحراف، ولكي يتم السكوت يجب أن يفقد الناس أمرين: أولهما معرفة الحق، والثاني الجرأة على الجهر بالحق [1] .
(لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر(وجوده) هي معركة الحاكمية لمن تكون ... )، وإن أعداء الله اليوم لا يطيقون المعنى الحقيقي ل (لا إله إلا الله) ... وأن الإسلام جاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولينتزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان، وليرجع الحكم كله إلى شرع الله ... (ولقد كان أعداء الإسلام حين جاسوا خلال الديار الإسلامية قد نحوا شريعة الله عن الحكم، وحكموا بدلا منها شرائع البشر، ثم قالوا للناس: لا بأس عليكم فأنتم مسلمون ما دمتم تصلون وتصومون وتقومون بشعائر العبادة، ثم سلطوا عليهم من الأفكار والمعتقدات والأنظمة وأنماط الحياة الواقعية ما يصرفهم عن الصلاة والصوم والعبادة، ثم قالوا لهم: لا بأس عليكم! فأنتم مسلمون ما دمتم تقولون لا إله إلا الله) [2] .
ومن جهة أخرى، فإن الذي دعاني إلى الكتابة في موضوع"الحاكمية"من زاوية الجحود والاستحلال، هو ما رأيت من كثرة الخائضين في هذه المسألة بمعزل عن الضوابط الشرعية، ظنا منهم أن السلف لا يكفرون من الحكام إلا من استحل الحكم بالقوانين الوضعية أو جحد الحكم بالشريعة الإسلامية؟!
فقد زعم بعض شيوخ (السلفية) المعاصرة و"أدعيائها" (أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه!؟) [3] ، وأن (هذه القوانين باطلة، إذا، استحلها الوالي كفر، إذا قال إنها حلال!؟) [4] .
وقد احتج هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق) ، [5] والصحيح أن كلام ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن مخالفا لنص آية
(1) أحمد فانر/ طريق الدعوة في ظلال القرآن (9) .
(2) محمد قطب (مقدمة كتاب"مقومات التصور الإسلامي"لسيد قطب) (4) .
(3) جريدة الشرق الأوسط عدد (6156) بتاريخ 12/ 05/1416هـ، مقال للشيخ ابن باز تعقيبا على الشيخ الألباني رحمهما الله.
(4) ذكره الشيخ ابن باز (انظر كتاب مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري لعبد الله الرفاعي) (12) .
(5) أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي بن أبي طلحة متكلم فيه كما ذكره الحافظ في (تهذيب التهذيب 4/ 214،213) وهو لم يسمع من ابن عباس كما ذكره الشيخ الألباني، ولهذه أعل به عدة أحاديث، انظر على سبيل المثال، سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 475،292،228) (2/ 207،191) (3/ 140،109،86،81) .