الصفحة 39 من 46

(؟!) ، وهذا غير صحيح، ذلك لأن صورة سبب نزول آية (المائدة44) ، أثبتت أن اليهود أقروا بثبوت حد الرجم في التوراة، وهذا فيه دلالة على اعتقادهم أن هذا الحكم هو من عند الله، وأنه حق، لكنهم خالفوا حكم الله لاتباعهم الهوى، كما يدل عليه قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [صـ: 26] ، وقوله تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) [المائدة: 48] )، قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى:(وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) ... ، يعني لا تشرك الحكم بما بين الله تعالى من القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام ... ) [1] .

ذلك أن التخلي عن حكم الله، وعدم اتباع الشريعة فيه دلالة على اتباع الهوى، قال تعالى: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ) [القصص: 50] .

أما الصورة التي لا يشترط فيها المرجئة المعاصرون الجحد لأجل التكفير بها فهي صورة الطواغيت المعاصرين الذين تحاكموا إلى الدستور والقوانين المستوردة من الشرق والغرب، فتركوا بذلك حكم الله تعالى [2] ، وأعرضوا عنه بالكلية، وهذه هي الصورة التي لم يشترط السلف الجحود والإستحلال للتكفير بها.

وهذا ما ذهب إليه ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية قائلا: (وهذا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، وقد يكون كفرا إما مجازيا، وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفته الحكم وأخطأه، فهذا مخطىء له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور [3] ، وقد قال القرطبي بهذا أيضا: ( ... وأما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنبا، وفاعل قبيحا، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين [4] .

أما تقييد الكفر بالإعتقاد فهو مخالف لما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] ، ذلك أن البخاري رحمه الله (واللفظ له) ، قد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن اليهود قالوا: (صدق يا محمد فيها آية الرجم) ، ولما سبق أن أوردناه من كلام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ) [المائدة: 43] ، حيث قال: (ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع علمهم

(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 177) .

(2) ولو في حكم واحد من أحكامه سبحانه وتعالى.

(3) شرح العقيدة الطحاوية (364،363) .

(4) الجامع لأحكام القرآن (6/ 190) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت