الصفحة 40 من 46

بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي [1] ، كما أن ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ .. ) [المائدة: 50] ، وبعد أن ذكر ياسق التتار، قال: (فمن فعل ذلك فهو كافر) دون أن يذكر الاعتقاد أو الجحود.

ولهذا اعتبر ابن القيم تأويل عكرمة للآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له بأنه تأويل مرجوح، قال: (ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كفر، سواء حكم أو لم يحكم [2] . وإن من نظر في سبب نزول الآية سيرى أن اليهود تركوا جنس الحد في الزاني المحصن، واجتمعوا على تشريع آخر في عقوبة الزنا، التزموه واتبعوه.

أما الكفر الذي أشارت إليه الآيات فقد ترتب على:

-ترك حد الله في زنا الثيب (أو على ترك جنس حد الله فيه والإعراض عنه)

-ثم التشريع مع الله عز وجل والإلتزام به .... وهو تحاكم إلى الطاغوت وحكم بغير ما أنزل الله ... وكلاهما جريمتان مكفرتان.

وهذا واضح جلي من حديث البراء بن عازب في صحيح مسلم: (تأمل قول عالمهم فيه أولا:(نجده الرجم، ولكنه كثير في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد) إلى أن قالوا: (قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم مكان الرجم) ، فقد كانوا في أول أمرهم يتركون حكم الله تعالى في زنا الثيب على الغني ويقيموه على الضعيف دون أن يعرضوا عن جنس الحد كلية، (وهي الصورة التي اختلفت مقلات السلف في شيء قريب منها، فأول بعضهم الكفر في مناظراتهم لمن أنزل آية المائدة على ذلك، فقالوا:(كفر دون كفر) أو (ليس الكفر المخرج من الملة) ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (أنها الكفر) وهو النوع الذي يخلط فيه ويلبس مرجئة العصر، فينزلون أقاويل السلف فيه على واقع اليوم التشريعي الطاغوتي، فيحشرونه في غير مناطه، ومن ثم يتهمون من كفر الطواغيت بأنه انحرف عن سبيل المؤمنين وكفر عصاة المسلمين وسلك مسلك الخوارج [3] .

وهذا ما قاله الشيخ ابن باز -رحمه الله-: (فإن لم يتحاكم إليهما(أي الكتاب والسنة) مستحلا التحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية بدافع طمع في مال أو جاه أو منصب، فهو مرتكب معصية وفاسق فسقا دون فسق، ولا يخرج من دائرة الإيمان) [4] ، وهذا غير صحيح، فإن مناط آية (المائدة) الذي أنزلت فيه هو التحاكم إلى شرع آخر غير شرع الله، ثم التشريع مع الله وترك حكم الله تعالى ولو في حكم واحد، ولذلك قال البراء: (في الكفار كلها) وهذا لا شك أنه كفر أكبر.

(1) تفسير الطبري (6/ 248،247) .

(2) مدارج السالكين (1/ 337،336) .

(3) المقدسي (النكت اللوامع) .

(4) فتوى رقم (6310) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت