لأنه ظاهر الخطاب، ثم قال: وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد) [1] .
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] : (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطىء له حكم المخطئين [2] ، وهذا هو الصحيح، وإنما يوجد الإشكال في حمل أدعياء"السلفية"لكلام ابن القيم على صورة حكم الطواغيت المعاصرين، أما الحاكم الذي يمثل به ابن القيم فقد أقر بالوجوب، ودان بحكم الله عز وجل، وإنما حكم في الواقعة اتباعا للهوى من غير تحكيم لشرع آخر غير شرع الله تعالى، ذلك أن من كان متبعا في الأصل لحكم الله، ثم حكم في الواقعة بهواه كمعصية، فهذا هو الذي اشترط فيه أكثر علماء السلف الجحد لتكفيره، لأن الأصل فيه الإلتزام بشرع الله، لكنه ترك حكم الله في الواقعة عصيانا منه دون أن يتحاكم إلى شرع آخر.
وتقييد ابن القيم لصورة الحكم بغير ما أنزل الله"بالواقعة"، هو غير ما ذهب إليه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في فتاويه عندما جعل صورة الحكم بغير ما أنزل الله مطلقة ولفظها عاما بقوله: (أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به -أي بما أنزل الله- هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكنه خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه، فهذا ليس بكافر بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية، وطاعته في غير معصية الله ورسوله واجبة، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة [3] . وهذا مشابه لقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-: ( ... أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك، فإنه آثم، يعتبر كافرا كفرا أصغر ... [4] ، وهو مثل قوله: ( ... ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق وفيهم كفر أصغر ... [5] .
والصورة غير المكفرة التي مثل بها ابن القيم ضابطها أن يكون الحاكم متبعا لشرع الله، وأن الأصل في حكمه هو التحاكم إلى الله، لا الإعراض عنه والتولي عنه كلية، لكنه لما عدل عن حكم الله في"الواقعة"علم أنه قد ارتكب معصية من المعاصي وأنه مستحق للعقوبة.
أما الصورة التي مثل بها كل من ابن عثيمين وابن باز فضابطها أن يكون الحاكم غير ملتزم بشرع الله وهو يعتقد وجوبه، لكنه عدل عنه لا في"الواقعة"وإنما أعرض عنه كلية لهوى في نفسه فهذا ليس بكافر
(1) محاسن التأويل (6/ 215) .
(2) مدارج السالكين (1/ 365) .
(4) فتوى رقم (5741) .
(5) علي بن حسن الحلبي، (التحذير من فتنة التكفير(89 ) ) .