الصفحة 34 من 46

فيها سبيل المؤمنين، وأوضح -وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه (؟! ) ) [1] ، وقريبا من هذا قوله: (وهذه القوانين باطلة، وإذا استحلها الوالي كفر، إذا قال: إنها حلال ... [2] . وهذا فيه نظر، فقد سبق أن قلنا بأن الاستحلال كفر أكبر، وأن كلمة"الاستحلال"لا تدل على اعتقاد حل محرم إلا بحسب الاصطلاح، أما في اللغة بل وفي كلام الشرع فإن المستحل هو المستمرىء للحرام الذي لا يعبئو بالتحريم، ولقول شيخ الإسلام: (وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالإتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل ... [3] ولهذا فإن المرجئة لما كان الإيمان والكفر عندهم محلهما القلب، قالوا بأن الكفر لا يكون إلا بالجحود أو الاستحلال، ولذلك خرجوا عن الأصول الثابتة لأهل السنة والجماعة، لأن الكفر يكون بالاعتقاد في القلب، ويكون بالقول باللسان، ويكون بالعمل الظاهر، لأن ما دل الدليل الشرعي على كفر فاعله(من ترك واجب أو فعل محرم) فلا يجوز تقييد كفره بجحود أو استحلال، كما فعل الشيخ ابن باز عندما اشترط الاستحلال القلبي، والاستحلال اللساني لتكفير الحاكم بغير ما أنزل الله، و (المرجئة لما قرروا أن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان، التزموا أن من ترك العمل بالكلية ليس كافرا، وأن من ناقض الالتزام الظاهر بمجرد العمل لا يكفر أيضا، بل لا بد في الحالين من إظهار ما يدل على كفره بالنطق الدال على الاستحلال والتكذيب، وأن مجرد الرد بالعمل سواء كان ذلك بالترك أو بالفعل لا يكون كفرا لذاته مطلقا [4] ، أما المرجئة الغلاة الذين كفرهم السلف كالحميدي وأحمد ابن حنبل فقد قالوا بأن الكافر لا يكفر إلا بتصريحه بالاستحلال أو الجحود، أي حتى يقول: إنها حلال، ذلك أن(من المفاهيم الخاطئة المنتشرة عند بعض الناس، ظنهم أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر حتى يصرح بالاستحلال والإنكار لحكم الله، وهذه -بلا شك- من آثار الفكر الإرجائي، حيث يحصر المرجئة الكفر بالتكذيب والجحود فقط، ولا يكفرون المعرض والممتنع، ولا من يسن تشريعا يناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة) [5] و"الكلمة القيمة"التي قد أصاب فيها الألباني الحق -بحسب الشيخ ابن باز- حاصلها هو قول غلاة المرجئة، إذ أنه (أي الألباني) يشترط الاستحلال الاعتقاي للتكفير بمطلق الذنوب دون تفريق بين المكفرة منها وغير المكفرة. وهو ما ذهب إليه عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- مجانبا الصواب في قوله: (فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، ويكون كفرا ينقل عن الملة إذا اعتقد حله) ، وهذا خلاف ما قاله شيخ الإسلام: ( ... وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها، فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب -إلى أن قال- وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله

(1) جريدة الشرق الأوسط، عدد (6156) .

(2) عبد الله الرفاعي، (مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري/12) .

(3) الصارم المسلول (522،521) .

(4) عبد الله محمد القرني/ ضوابط التكفير عند أهل السنة (196) .

(5) محمد بن عبد الله الوهيبي/ نواقض الإيمان الاعتقادية (2/ 222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت