الصفحة 32 من 46

وقس على ذلك أيضا قول ابن كثير رحمه الله شارحا قول الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: 45] : ( ... وهذا أيضا مما وبخت به اليهود، وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدا وعنادا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار، ولهذا قال هناك:(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا ... ) [1] ، وليس تكذيبا منهم وإنكارا كما توهم الشيخ الألباني في فهمه لمعنى الجحود، وإنما بعد ولهم عن حكم الله تعالى عمدا منهم وعنادا، والعدول ترك على الصحيح، وليس مجرد إنكار أو تكذيب [2] .

يقول شيخ الإسلام في كتاب (الإيمان) : ( ... وأيضا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نشهد أنك رسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا نخاف من اليهود، فعلم أن مجرد العلم والإخبار -أي عن العلم- ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم ... ) [3] .

وهو المراد كذلك من قول ابن القيم رحمه الله: (فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها، ومع هذا فآثروا الكفر والضلال، ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته، وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه، كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم، وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة، أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا بمعرفة القلب مع ذلك، بل لا بد فيه من

(2) وهو نفس ما ذهب إليه (حسن الحلبي) في رده على فتوى اللجنة الدائمة حينما استدل بقول الشيخ حافظ حكمي في (اعلام السنة المنشورة /ص175) : (الكفر أصله الجحود والعناد المستلزم للاستكبار والعصيان) ، ظانا منه أن هذا القول سيخدم دعواه في تحذيره (ص160) : (لا منافاة بين كون الجحود هو باب الكفر، وبين كون أقسام الكفر ستة) ، وبقوله كذلك: (فإن من ثبت له حكم الإسلام والإيمان الجازم إنما يخرج عنه بالجحود له أو التكذيب به ... ) وهذا غير صحيح ثم إنه لا وجه هنا للمقارنة إطلاقا، فالإيمان بحسب الشيخ حافظ حكمي هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، فيكون الكفر ضدا عليه أصله التكذيب المستلزم للاستكبار والعصيان فتأمل (!) .

(3) الإيمان (135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت