وخلاف هذا ما قاله الشيخ في شريط (الكفر كفران) : (لا يجوز سحب هذه الآية على أولئك المسلمين، لأنهم يختلفون عن المشركين بأنهم آمنوا بما أنزل الله، لكن إيمانهم بما أنزل الله لم يقترن به العمل(؟!) بينما أولئك الكفار جحدوا ما أنزل الله قلبا وقالبا!!).
وهو غير ما قاله ابن جرير الطبري في تفسيره لآية (المائدة) : (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) يقول: (هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه) [1] ، ثم قال في تفسيره للآية أيضا: (( ... ) قيل إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون) [2] . وقد سبقت الإشارة إلى أن الطبري رحمه الله قد قرن بين الجحود والترك في قوله (بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه) ، ثم قال: (ولكن بدلوا وغيروا حكمه) ، لتعلم أن جحودهم كان بتركهم حكم الله، وتبديله وتغييره، كما أن مناط تكفيرهم وجحودهم لم يكن في إنكارهم للحكم الشرعي، وإنما كان في تركهم لحكم الله وتبديلهم وتغييرهم لشرع الله، وهو نفس ما ذهب إليه في تفسيره السابق لقوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [المائدة: 43] ، قال: (يقرون بها أنها حق( ... ) يعلمون ذلك لا يتناكرونه ( ... ) توليهم: ما تركوا من كتاب الله)، لتعلم أيضا أن مناط كفرهم كان تركهم لحكم الله أي جحودهم وليس إنكارهم، كما قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: 14] .
ويدل على هذا كذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، حيث قال: (مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته: قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه) [3] ، وقد يبين ابن جرير -رحمه الله- المراد من هذا الحديث بقوله: (فكان فعله -أي الذي تزوج امرأة أبيه- ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى، وجحوده آية محكمة في تنزيله، فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه، لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام) (تهذيب الآثار 2/ 148) ، وتأمل في قوله هذا: (فكان فعله ... وجحوده ... فكان بذلك من فعله) لترى أن فعل الرجل استحلال لما حرم الله، وجحود لآية محكمة في تنزيله، وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به [4] .
(1) السابق (4/ 592) .
(2) السابق (4/ 597) .
(3) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وحسنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وصححه الألباني في إرواء الغليل.
(4) وفي هذا رد على من حصر الاستحلال في التكذيب (انظر كتاب الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير/ خالد العنبري، ص119) ، وذلك باستدلاله بقول شيخ الإسلام: ( ... أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدوا تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا) (مجموع الفتاوى 7/ 70) ، فدل كلام شيخ الإسلام على أن هؤلاء ليسوا مكذبين لأنهم يعلمون أنهم خالفوا دين الرسول، فالاستحلال كفر أكبر، وليس قاصرا على التكذيب كما توهم خالد العنبري؟!.