الصفحة 30 من 46

عازب في صحيح مسلم وهو يحكي سبب نزول آيات الحكم في سورة المائدة، قال: (قلنا أي -اليهود- تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم مكان الرجم) لترى أن اليهود ها هنا قد ارتكبوا جريمتين كلاهما مكفر:

الأولى: الحكم بغير ما أنزل الله والإلتزام بتشريع غير شرع الله ...

الثانية: التولي عن جنس الحكم بما أنزل الله، وذلك بالإعراض وترك جنس حد الله في زنا الثيب ... بعد أن كانوا مجرمين بتركهم لحكم الله في زنا الثيب أحيانا دون اتباع تشريع غير تشريع الله، أو التولي عن جنس حد الزنا كلية كما في حديث البراء بن عازب: (تأمل قول عالمهم أولا: نجده الرجم ولكنه كثير في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد) ، وهما جريمتان كفر بهما اليهود كفرا أكبر، وهما أقل مما ذهب إليه طواغيت الحكم المعاصرين بتطبيقهم ذلك على كل حدود الله عز وجل ...

(- فترك جنس حكم الله ولو في حد واحد من حدود الله كفر أكبر ...

-والتواطؤ على تشريع غير الله والتزامه ولو في باب واحد من أبواب الحكم الشرعي الإلهي كفر أكبر مخرج من الملة.

-وهذه هي صورة سبب نزول قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (الظَّالِمُونَ) (الْفَاسِقُونَ) كما قال البراء: (في الكفار كلها) ، فالمراد بها جميعا الكفر المخرج من الملة، وليست سبب نزولها هو الترك المجرد لتنزيل حكم الله كمعصية أحيانا لمن كان ملتزما بشرع الله ولا يدين بشرع سواه في أي حكم من أحكام الله) [1] .

وإذا كان هؤلاء قد ارتكبوا جريمتين كلاهما كفر، وهو عين ما وقع فيه -طواغيت العصر وقضاهم- بل زادوا عليه، وإذا كان هؤلاء الطواغيت مجرمين كاليهود -حسب ما قال الشيخ- فلم القول بأن هؤلاء الطواغيت مخالفون لليهود من جهة إيمانهم وتصديقهم، بخلاف اليهود لأنهم كانوا جاحدين؟!، لترى اضطراب الشيخ رحمه الله في معنى الجحود الذي يحصره في التكذيب، وهو ما ذهب إليه الإمام الطبري في قوله السابق عن اليهود -وقد عرفناك به- قائلا: ( ... التي يقرون بها أنها أحق ... ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم من علمهم بذلك يتولون، يقول يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي ... قال توليهم: ما تركوا من كتاب الله [2] .

(1) المقدسي/ السابق.

(2) تفسير الطبري (6/ 248،247) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت