الجاهلية، وأن قاضيه هو من قضاة الطواغيت، فحكمه بالمادة القانونية هو حكم بنص كفري، فهذا الحاكم أو القاضي قد أضافا إلى تركهما حكم الله تعالى، الحكم بغير ما أنزل الله ... ؟!
(وإنما يصلح التمثيل لترك حكم الله المجرد بالقاضي الحاكم بشرع الله والذي هو دينه الذي يلتزمه ويدين به -كما في عبارات السلف- وإذا خالفه في الحكم أو الواقعة، علم أنه ارتكب معصية، كأن يترك تنزيل الحد الشرعي مثلا على قرابته أو من قبض منه رشوة بأن يكذب أو يدلس ويزعم أن السرقة مثلا لم تكن من حرز، فلا يحكم بالقطع بل بالتعزير ... فهذه الصورة يصلح أن يمثل بها على ترك الحكم بما أنزل الله الذي هو من كبائر الذنوب والمعاصي إذ هو ترك لحكم الله متابعة للهوى والتدليس والرشوة لمن هو في أصل دينه وحكمه ملتزما بشرع الله.
وهذه هي الصورة التي اختلف فيها السلف، فقال بعضهم بظاهر الآية فكفر فاعلها كما ورد عن ابن مسعود، والأكثرون على أنه كفر دون كفر ما لم يستحل ذلك شأنه شأن سائر الكبائر والذنوب غير المكفرة كفرا أكبر) [1] . يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ( ... وكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه، فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة، فاسقة، بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته وترضى بذلك لها وعليها) [2] .
يقول ابن كثير -رحمه الله- في معرض حديثه عن تحاكم التتار إلى الياسق: (وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟.
من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] وقال تعالى:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65] ) [3] ، فكيف يقول الشيخ الألباني -رحمه الله- (لا يجوز تكفيرهم بذلك وإخراجهم من الملة ... ) ؟!
وتأمل في قوله: (وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله) ، أي طواغيت العصر وقضاتهم، وقوله: (وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور) أي إجرامهم وكفرهم، لترى تناقضه مع حديث البراء بن
(1) المقدسي (النكت اللوامع ... ) .
(2) مجموع فتاوي ابن باز (1/ 305) .
(3) البداية والنهاية: (13/ 128) .