الصفحة 28 من 46

والتحاكم إلى تشريع آخر، وهو ما تواتر عن السلف بأنه كفر أكبر، وهو الذي قال عنه البراء: (في الكفار كلها) ، وإنما قول ابن عباس كان في المناط الذي أنزل الخوارج فيه الآية ... كما أنه لم يحصل الخلاف بين السلف في أن التحاكم إلى غير شرع الله، واتباع تشريع مخالف لشرع الله تعالى هو كفر أكبر، وهو نفس ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح) .

فابن عباس وكل الصحابة لم يكونوا يخالفون في أن التحاكم إلى شرع غير شرع الله كفر أكبر، ولذلك لم يشترط أحد منهم الجحود أو الإستحلال للتكفير بذلك، وإنما اشترطوه لما هو من المعاصي التي ليست كفرا.

وقد قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ) [المائدة: 43] ، قال: (يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى التي يقرون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلته على نبي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم من علمهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي -إلى أن قال- وأصل التولي عن الشيء: الانصراف عنه، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، ثني حجاج عن ابن جريج بن عبد الله ابن كثير: (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ قال: توليهم، ما تركوا من كتاب الله [1] .

وانظر إلى ما قاله الشيخ الألباني -رحمه الله- في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) عن قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، قال: (فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية، أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك وإخراجهم من الملة إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله، لا يجوز ذلك، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا جاحدين، وسر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي، فالاعتقادي مقره القلب، والعملي محله الجوارح) [2] . أما قوله: (فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية) فغير صحيح، والصواب أن التحاكم إلى القوانين الوضعية تحاكم إلى الطاغوت [3] ، وهو لا شك أنه كفر أكبر، ذلك أن هذا الحاكم هو من حكام

(1) تفسير الطبري (6/ 248،247) .

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة (م6 -ج1 -(112،111) ط1)، وفي قوله (بعض الحكام المسلمين) دلالة على أن البعض الآخر يجوز حمل هذه الآيات الثلاث عليهم كيف (!؟) ومذهب الشيخ هو الاستحلال؟!

(3) يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عن صفة الحكم بغير ما أنزل الله: ( ... أن يبطل حكم الله ليحل محله حكما آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس ويجعل بدله حكما آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج من الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق ... ) (فقه العبادات61،60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت