التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه: (وجب الكفر على أحدهما) .اهـ [1]
وقال ابن عبد البر رحمه الله: إن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع المسلمين ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلًا فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد اجتماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة وهم أهل الفقه والأثر على أن أحدا لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام وخالفهم أهل البدع فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - (فقد باء بها) أي قد احتمل الذنب في ذلك القول أحدهما، والمعنى في قوله - صلى الله عليه وسلم - (فقد باء بها أحدهما) يريد أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله، فإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم واحتمله
(1) فتح الباري ج10/ 479 كتاب الأدب باب ما ينهى عن السباب واللعن، راجع في شرح هذا الحديث: تحفة الأحوذي شرح الترمذي للمباركفوري ج7/ 326، فيض القدير للمناوي ج5/ 382، التمهيد لابن عبد البر ج17/ 14 وما بعدها، شرح النووي على صحيح مسلم ج2/ 51 وما بعدها، صيانة صحيح مسلم لأبي عمرو الشهرزوري الكردي ج1/ 234 وما بعدها، وقد حمل بعض العلماء هذا الوعيد على ظاهره وجنحوا منهم إلى تكفير الخوارج، قد استدلوا لذلك بالأحاديث المتقدمة منهم: أبو منصور عبد القاهر البغدادي حيث قال في سياق ذكره للأصول التي اجتمع عليها أهل السنة: وقالوا بمروق أهل النهروان على الدين، لأن النبي سماهم مارقين، لأنهم كفروا عليا وعثمان وعائشة وابن عباس وطلحة والزبير وسائر من اتبع عليِا بعد التحكيم وأكفروا كل ذي ذنب من المسلمين ومن أكفر المسلمين وأكفر أخيار الصحابة فهو الكافر دونهم، وكذا القاضي أبو بكر ابن العربي حيث قال وهو يعدد أوجه الحكم بتكفيرهم: ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد بالنار فكانوا هم أحق بالاسم منهم، وكذا تقي الدين السبكي في فتاواه احتج بذلك حيث ساق حديث (من رمى مسلمًا بالكفر أو قال عدو الله إلا حار عليه) ثم قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع ... إلى قوله: ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالًا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك، وقد نقل ابن حجر في الفتح قول القرطبي في المفهم: والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب، فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا. انتهى