بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك) [1] ، وعن عبد الله بن مسعود ? قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (سبابُ المسلمِ فسوق وقتالُهُ كفر) [2] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: (لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه) كما قال وفي رواية للإسماعيلي (إلا حار عليه) ، وفي أخرى (إلا ارتدت عليه) يعني رجعت عليه و حار بمهملتين أي رجع، وهذا يقتضي أن من قال لآخر أنت فاسق أو قال له أنت كافر فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقا ولا كافرا أن لا يكون آثما في صورة قوله له أنت فاسق بل في هذه الصورة تفصيل: إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وأن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لم يجز، لأنه مأمور بالستر عليه وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف، لأنه قد يكون سببا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من الناس من الأنفة، لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة ... إلى أن قال:
قال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع، فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلا وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج لأنهم يكفرون المؤمنين هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف، لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم، قلت: ولما قاله مالك وجه وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة ممن شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة وبالإيمان فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل، والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره وهذا لا بأس به، وقيل: يخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل المعاصي بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة، وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك، فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع
(1) رواه البخاري وابن مندة في الإيمان، وعند أبي عوانة عن أبي ذر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (لا يرمي رجل رجلا بالكفر إلا ارتدت إن لم يكن صاحبه كذلك) .
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة والترمذي والنسائي.