الصفحة 14 من 28

امتنع كثيرٌ من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يُقال لا نكفرهم بكل ذنب كما يفعله الخوارج والمعتزلة، وفرقٌ بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ... إلى أن قال عن الخوارج أنهم يقولون: يكفر كل من قال هذا القول، لا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره أو يقولون يكفر كلُ مبتدع. اهـ [1]

وكلام ابن أبي العز رحمه الله يبين أن هناك طائفتين من الناس ُيذم منهجهم في هذا الباب:

أما الطائفة الأولى فهم الذين لا يكفرون من انتسب إلى أهل القبلة، وإن قال ما قال وفعل ما فعل من المكفرات بحجة أنهم ينطقون بالشهادتين أو أنهم لم ينكروا لله حكما ولم يردوا على الله أمرا، كما جاء ذلك عن بعض أهل الضلالة ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي في هذا العصر في بيانهم الذي أصدروه تأييدا لحكام بلادهم وردا على الجماعات المجاهدة هناك.

والطائفة الثانية التي يُذم منهجها في هذا الباب هم الذين يتجرءون على تكفير المسلم بكل ذنب، وهم الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم، ويدخل في عداد هؤلاء من يسارعون إلى تكفير المسلمين دون البحث في شروط التكفير وموانعه، وسيأتي إن شاء الله تعالى الرد عليهم وبيان فساد مذهبهم في عدة مواضع.

والواجب في هذا الباب هو التورع عن تكفير المسلم بغير بينة واضحة وبرهان صحيح، فإذا وقع من المكلف كفر أكبر واكتملت شروط التكفير وانتفت موانعه فالحق والصواب تكفيره موافقة للأدلة التي تقضي بذلك، وإن التورع عن تكفيره والحالة هذه إنما هو ورع كاذب.

وقال ملا علي القاري رحمه الله: وقد قال علماؤنا: إذا وُجد تسعة وتسعون وجها تشير إلى تكفير مسلم، ووجه واحد إلى إبقائه على إسلامه فينبغي للمفتي والقاضي أن يعمل بذلك الوجه، وهو مستفاد من قوله - صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في

(1) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز/316: 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت