هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذه المسألة بتفصيل في هذا الكتاب في المبحث الخاص بشرح موضوع التأويل، وفيه بيان حكم من كفر غيره بتأويل.
هذا ومما ينبغي التنبه إليه أن القول أو الفعل المكفر إن كان من جنس الأقوال والأفعال محتملة الدلالة على الكفر، فلا يكفر بها المسلم إلا بعد التبين من قصده وإلحاقه بالصريح منها، هذا إن لم يهدر، وإلا فإن أحوال المسلم محمولة على السلامة، ولا يصح التكفير بالمآل على الراجح إلا بعد تبين قصد المكلف، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في الكلام على مسألة لازم المذهب هل هو مذهب أم لا وذلك في الكلام على مسألة التأويل.
ولذلك لم يكفر جمهور العلماء أهل الأهواء والبدع على وجه العموم بلازم قولهم إلا إن التزموه صراحة، والمقصود من ذلك التحذير من الإقدام على تكفير المسلم الذي ثبت إسلامه بطريق صحيح بغير دليل واضح ولا برهان صحيح، وتجنب الإطلاقات الموهمة لتكفير عوام المسلمين في هذا الباب.
قال ابن أبي العز رحمه الله: واعلم ـ رحمك الله وإيانا ـ أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم.
فالناس فيه ـ في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر أو المخالفة في اعتقادهم ـ على طرفين ووسط:
فطائفة تقول لا نكفر من أهل القبلة أحدا، فتنفي التكفير نفيا عاما مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم وهم يتظاهرون بالشهادتين، وأيضا فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا [1] ... إلى أن قال رحمه الله: ولهذا
(1) من المعروف أن هناك فرقا بين الاستتابة وقيام الحجة في هذه المسألة وما شابهها، فإن من صدر منه قول أو فعل مكفر نُظر فإن كانت الحجة قد قامت عليه وليس له عذر شرعي فإنه يكفر، ولكن موضع الاستتابة تكون عند إقامة حد الردة (القتل) عليه، فمن يرى وجوبها يمنع من قتل المرتد في هذه الحالة إلا بعد الاستتابة، ومن لا يرى إلا استحباب الاستتابة فقط يجيز قتله قبلها، فالنظر في الأعذار الشرعية يتعلق بالحكم بالكفر على فاعله أو قائله، وأما الاستتابة فمتعلقة بمسألة القتل، وقد يُحكم على شخصٍ ما بالكفر ولا يلزم من الحكم عليه وجوب قتله، ولكن النظر في موضوع الاستتابة يكون عند قتله بعد الحكم عليه بالكفر والله تعالى أعلم، وسيأتي تفصيل القول في مسألة الاستتابة وحكمها في المبحث الخاص بأحكام المرتدين إن شاء الله تعالى.