والمراد بتوحيد الله سبحانه وتعالى إفراد الله جل وعلا بعبادته، بالألوهية والربوبية وبالأسماء والصفات.
وقد جاءت الدلالة على هذه الأنواع من التوحيد في كتاب الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة، وقد جمعها الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: (رب السماوات والأرض فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) ، وسائر هذه الأنواع من التوحيد قد كفر بها الخلق، إلا أن جملة الخلق مقرُّون بالإجمال بربوبية الله سبحانه وتعالى.
وقد اشتهر عند بعض طلبة العلم أن الله جل وعلا بربوبيته موحَّدا عند سائر المشركين ومنهم كفار قريش، ومعلوم أن كفار قريش قد وقعوا في الإشراك بربوبية الله سبحانه وتعالى، كما وقعوا في شيء من الإشراك بالألوهية لله سبحانه وتعالى، وكذلك في الأسماء والصفات، فوقعوا في الإشراك في الأسماء والصفات، وكذلك في الألوهية، وكذلك في الربوبية:
1 -ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما روى الإمام مسلم عليه رحمة الله: (قال الله جل وعلا: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب ... ) وهذا من الإشراك بربوبية الله سبحانه وتعالى، ويدخل في هذا باب الطيرة وهو التشاؤم، وتعليق التمائم وغيرها مما يظن العبد أنها بنفسها تضر وتنفع من دون الله سبحانه وتعالى، فهذا شرك في ربوبية الله سبحانه وتعالى قد وُجد عند الجاهليين، إلا أنهم بالجملة مُقِرُّون بربوبية الله سبحانه وتعالى، ولذلك إشراكهم بربوبية الله جل وعلا ليس في كل حين.
2 -وكذلك عند إشراكهم في الألوهية: فإنهم يشركون الله سبحانه وتعالى في السراء، ولا يشركونه في الضراء، وقد وقع منهم الإشراك في الألوهية، لذلك أنكر عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك.
3 -ووقع منهم كذلك الإشراك في أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، فأنكروا صفة الرحمن، ولذلك قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: (قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن أيما تدعوا فله الأسماء الحسنى) ، فأنكروا صفة الرحمة واسم الرحمن لله سبحانه وتعالى، فأخبر الله جل وعلا أن هذه كلها أسماء وصفات لله سبحانه وتعالى.
وأمر الله جل وعلا بتوحيده بسائر أنواع التوحيد بقوله: (رب السماوات والأرض فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) . ولا يُعلم إنكار سائر الصفات في شريعة الله عز وجل إلا لما جاء الجعد بن درهم ونفى سائر الصفات لله سبحانه وتعالى وكذلك سائر أسمائه، ومن عبد إلها بلا أسماء ولا صفات فهو يعبد عدما كما هو متقرر.
وابتدأ المصنف عليه رحمة الله تعالى رسالته هذه بالتسمية اقتداء بكتاب الله سبحانه وتعالى، وكذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكاتبته إلى الأئمة، وكذلك إلى عُمَّاله كما روى البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله .... ) ، وما جاء عن رسول الله صلى الله