والمعنى الأشهر، وهذا الذي قد ثبت عن غير واحد من السلف كمجاهد بن جبر والسدي ... وغيرهم، أن قول الله جل وعلا: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) أي قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فماتوا على ماهم عليه، وكانوا على اتباع الحق من غير تحريف، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد روى هذا ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث ابن جريج عن مجاهد بن جبر، وذكر فيه قصة سلمان الفارسي لما علم من أهل الكتاب الذين ماتوا على ما هو عليه من غير تحريف أرادوا بذلك تعبُّدا لله سبحانه وتعالى.
ولذلك أمر الله جل وعلا بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأخبر أن من خرج عن طاعة نبيه فقد كفر بالله سبحانه وتعالى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالته عامة للناس، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فمن خرج عن ملته وخرج عن شريعته كفر بالله سبحانه وتعالى، ومن لم يكفِّره فهوا كافر، وذلك لأنه قد سوَّغ لأحد من الناس أن يخرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لاريب في أنه كفر باتفاق أئمة الإسلام.
ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خاطب أئمة الكفر وملوك الكفر كهرقل وقيصر والمقوقس وغيرهم بأن يدخلوا بلاد الإسلام ولذلك معاذ إلى اليمن كما روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذ إلى اليمن، فقال: (إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) والمراد (أن يوحدوا الله) أن يفردوا الله سبحانه وتعالى بتوحيده.
وهو الذي أشار إليه المصنف عليه رحمة الله تعالى في رسالته هنا وفي عنوانها بقوله: (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) ، والتوحيد هو توحيد الله سبحانه وتعالى: وحَّد يوحِّد توحيدا.
وهو بهذا التركيب جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي النفس من الأحديث الذي جاء بهذا اللفظ نظر، فقد روى الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في مسنده من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مئة من الإبل، فجاء ابنه هشام بن العاص فنحر خمسون، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، قال: (لو أقر أبوك بالتوحيد، وتصدقت ودعوت نفعه ذلك) قال: (بالتوحيد) .
وهذا اللفظ فيما يظهر أنه لم يثبت عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه ربما جاء على لسان بعض الصحابة بالرواية بالمعنى مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في حديث بعث معاذ إلى اليمن كما روى البخاري ومسلم من حديث يحيى بن عبد الله بن صيفي - وهو في البخاري في كتاب التوحيد - عن أبي معبد عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، فقال: (إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله) ومعلوم أن الفظ الأشهر في هذا ... قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) ، فاختصرها هنا وقال: أن يوحدوا الله.