الصفحة 5 من 105

1 -فالله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى هنا: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) ، فقوله هنا: (إن الذين آمنوا) أي: آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وحمله بعض المفسرين كما رواه ابن جرير الطبري عن مجاهد بن جبر وكذلك عن السدي، قالوا: المراد بذلك من آمن بما كان عليه أهل الشرائع السابقة من غير تحريف. قال: (والذين هادوا والنصارى والصابئين) قالوا: ما كانوا على شيء مما سبق من الملل المحرفة، فإن عادوا إلى الله سبحانه وتعالى وآمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم حينئذ يكونون من أهل الإيمان: (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يوم القيامة، فحينئذ يستحقون الأمن من الفزع يوم القيامة، وهكذا الذي حمله عليه سائر المفسرين، فقد رُوي ذلك عن مجاهد بن جبر والسدي، وقد أورد ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم من حديث معاوية بن صالح عن حديث أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في هذه الآية قال: أن الله جل وعلا كتب لليهود والنصارى إن ماتوا على ما هم عليه، ونسخه بقوله سبحانه وتعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) والاتفاق عند السلف والخلف وسائر المفسرين أن قول الله جل وعلا: (إن الذين آمنوا والذين هادوا .... ) إلى آخر الآية ونظيرها من الآيات أن المراد بها أن من كان على تلك الشريعة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك أن الله جل وعلا يتقبَّل منه عمله إذا كان على غير تحريف، وهذا نظير ما جاء في الإسلام كما روى البخاري ومسلم من حديث البراء عليه رضوان الله تعالى قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وصلى بصلاته أناس ثم قتلوا، ثم أمر الله جل وعلا رسوله بأن يتوجه إلى بيته، قال: فوجلنا، فأنزل الله عز وجل (وما كان الله ليضيع إيمانكم) والمراد بذلك: صلاتكم عند البيت.

ومعلوم أن الإنسان إذا تعبَّد لله عز وجل بعمل قد نُسِخَ قبل نسخه فإنه مأجور ومثاب عند ذلك، ولكنه إن تعبَّد بعمل قد نُسِخَ بعد نسخه فإنه قد ارتكب أمرا محرَّما ويكون التحريم على حسب ما جاء في الشرع، فإن تعبد بشيء ينقاض الإسلام كفر بالله سبحانه وتعالى، وذلك لمخالفته وتقديمه لما جاء في شريعة الله سبحانه وتعالى من النصوص في الكتاب والسنة.

ومن خرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كفر بالاتفاق، ولا خلاف في ذلك عند السلف والخلف، و هو كافر بتواتر النصوص من الكتاب والسنة والإجماع، ومن شكَّك في كفر من لم يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ولا خلاف في ذلك، اطرادا لقاعدة معروفة عند الأئمة: أن من لم يكفِّر الكافر - والمراد بذلك الكافر الخالص من غير شبهة - فهو كافر بالله سبحانه وتعالى، لتكذيبه النصوص التي وردت في كلام الله سبحانه وتعالى، وقد حكم الله جل وعلا بكفر اليهود والنصارى والصابئين.

2 -وكذلك من الوجوه في هذه الآية: أن الله جل وعلا قرن الصابئين باليهود والنصارى، ومعلوم أن الصابئة ليسوا بأهل كتاب، وهذا مروي عن الحسن البصري وعامر بن شراحيل الشعبي ومجاهد بن جبر والسدي والضحاك وغيرهم، وقالوا أنهم كانوا يعبدون الأفلاك والنجوم، وقيل أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر، إذًا ... فهم مشركون وليسوا بأصحاب كتاب سماوي، فلِمَ قرنهم الله جل وعلا باليهود والنصارى، وحكم بنجاتهم، وأنهم لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت