الصفحة 56 من 105

وسلم بقلبه، وهو الذي قال في قصيدته النونية المشهورة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بما جاء به ... قال:

وعرضت دين لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينًا

يقول:

والله لن يصلوا إليك بجمع ...

يعني محمد صلى الله عليه وسلم لما أرادوا كفار قريش، واحتجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب لسنوات كما ذكر أهل السير والمغازي، قال قصيدته في نونيته المشهورة قال:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد بالتراب دفينًا

فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ... وابشر بذاك وقُرَّ به عيونًا

ودعوتني وزعمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينًا

وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينًا

لولا الملامة أو حِذارُ مسبَّة ... لوجدتني سمحًا بذاك يقينًا

إذًا ... هو آمن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، لكن ما منعه من ذلك إلا الكبر، ولم ينطق بذلك بلسانه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عند قبره يقول: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. ولم يقلها، وقال: هو على ملة عبد المطلب. مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم وهو يعلم وهؤلاء يعلمون أنه قد آمن وصدَّق بمحمد صلى الله عليه وسلم بقلبه، لكن الإيمان القلبي لا يجزئ عن الإنسان مالم تصدقه الجوارح، ولذلك يقول السلف: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. فلا بد من وجود هذه الأركان حتى يتحقق إيمان الإنسان، ولذلك بعض الإيمانيات التي توجد في أشعار بعض العرب وبعض الجاهليين، أو بمن جاء بعد الإسلام من الزنادقة ونحو ذلك، التي تتضمن توحيدًا لا تنفع الإنسان، لأنه قد وُجد فيه من شعب الكفر ما يهدم ذلك كله، ولذلك لما قال الشاعر وقال النبي عليه الصلاة والسلام معلقًا على قوله:

كل شيء ما خلا الله باطل ...

قال عليه الصلاة والسلام: (إلا نعيم الجنة) وقال أنه آمن بقلبه، لكن جوارحه لم تؤمن، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في العاص ... قال: (لو أقر أبوك بالتوحيد - مع أنه قد نذر لله سبحانه وتعالى أن ينحر إبلا، فهذا من العبادة، فهو آمن بوجود ربه، وأنه تصرف له العبادة، لكن ثمة شيء قد أفسد عليه إيمانه، فكان من جملة الكفار - .... ) ولذلك الكافر لا يمكن أن يتوب الله عز وجل عليه إلا بتوبته بنفسه، أما سائر المكفرات فلا، وهذا خاص بالإشراك بالله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله جل وعلا: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) هذا في الشرك الأكبر.

وأما الشرك الأصغر: هل الله عز وجل لا يغفره للإنسان إلا أن يتوب إذا وقع الإنسان في شيء من الشرك الأصغر كالحلف بغير الله - على قول إدخاله في الشرك الأصغر -، أو في تعليق التمائم والتولة أو مثلا الطيرة ونحو ذلك، هل من وقع في ذلك أن الله عز وجل لا يكفره له إلا بالتوبة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت