كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملاًَ إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) الآية
ولذلك كان الإشراك بالله عز وجل من أعظم الذنوب، لأن الله عز وجل لا يغفره لصاحبه إلا أن يتوب، ومعلوم أن المكفرات التي يكفِّر الله عز وجل بها الذنوب عن الإنسان:
1 -إما التوبة.
2 -وإما الحسنات التي تكفِّر السيئات، كما في قول الله عز وجل: (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
3 -وإما بالمصائب التي تصيب الإنسان من هم وحزن وكذلك وأمراض، فإن الله عز وجل يكفر عن الإنسان بها خطاياه.
4 -وإما استغفار الإنسان لأخيه، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ) وذكر منها: ( ... أو ولد صالح يدعو له) فإن هذا الدعاء يرفع الإنسان، ويكفِّر عنه من خطاياه.
5 -كذلك ما يلحق الإنسان من فتنة ومصيبة أو افتتان في قبره، فإن الله عز وجل يكفِّر عن الإنسان بذلك من خطاياه، وكذلك على عرصات يوم القيامة.
كل هذه المكفرات لا تكفِّر الشرك الأكبر، إلا التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من الإنسان بنفسه، فإن تاب كفر الله عز وجل عنه ذلك.
ولذلك نهي أن يستغفر الإنسان للمشركين وأن يترحم عليهم، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه بأن يزور قبرها فأذن له بزيارتها، وكذلك الخليل إبراهيم حينما استغفر لأبيه نهاه الله جل وعلا أن يستغفر لأبيه، لأنه من جملة المشركين، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستغفر لعمه أبو طالب بعد أن نهاه الله عز وجل عن ذلك، وإن كان قد آمن وصدَّق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقلبه، لكنه كفر بجوارحه وبلسانه، فما نفعه تصديقه القلبي، لأن تصديق القلب ليس بعبرة.
ولذلك قد ذهب غلاة الجهمية وغلاة المرجئة إلى أن التصديق في القلب يدخل الإنسان به، ويلزم من هذا أن إبليس عليه لعنة الله وفرعون الذين أقروا بربوبية الله سبحانه وتعالى ووحدته واستحقاقه العبادة، وإبليس قد عاين الملائكة وعاين الله عز وجل، مع ذلك وهو مصدِّق بقلبه، لكنه جحد بلسانه وجوارحه كما هو منصوص في كتاب الله عز وجل، وكذلك فرعون عليه لعنة لله آمن بالله سبحانه وتعالى بقلبه لكنه جحد بذلك، ولذلك كفار قريش قد حكى الله عز وجل عنهم أنهم جحدوا بها ... أي بـ: لا إله إلا الله ... (جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) ولذلك أبو طالب وهو قد صدَّق برسول الله صلى الله عليه