أما تقبيل الرجل فإنه يُقال أنه من باب الإسفاف، ولذلك قد ترجم الإمام البخاري عليه رحمة الله تعالى في كتابه الأدب المفرد قال: (بابٌ تقبيل الرجل) وأورد فيه جملة من الأحاديث وكلها واهية ولا يصح في هذا شيء، وما أخرجه الترمذي عليه رحمة الله تعالى من أن اليهود قبَّلوا رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه في إسناده غرابة، ولذلك حكم عليه الترمذي عليه رحمة الله تعالى بالغرابة.
وما جاء من تقبيل كعب بن مالك وكذلك زيد بن ثابت و عبد الله بن عمر عليهم رضوان الله تعالى ... بل قد جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى أنه كان يقبِّل يد العباس بن عبد المطلب، وقد رُوي عنه أيضا من وجه آخر - وفيه نظر - أن كان يقبِّل يده ورجله، وقد ذكر الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في كتاب الورع عن جملة من السلف جواز تقبيل اليد خاصة لأمر الدين من باب التدين، لا من باب مصالح الدنيا، ونهى عن ذلك، ولذلك قال ابن مفلح عليه رحمة الله تعالى في كتابه الآداب الشرعية قال: وتقبيل اليد لأجل الدنيا لم يجز عند عامتهم. أي عند عامة العلماء، لأن فيه إذابة لما في قلب الإنسان من تدين وخضوع لله سبحانه وتعالى، كذلك إن فيه خضوعًا ومشابهة للخضوع لله سبحانه وتعالى، وهذا لا ينبغي أن يكون من مؤمن إلا في أمر الدين، أما إذا كان من أمر الدنيا فإنه يُنهى عنه، ولذلك قد نقل ابن مفلح عليه رحمة الله تعالى فقال في كتابه الآداب الشرعية: قال عبد الله بن أحمد: كان الفقهاء والكبراء وبنوا هاشم يأتون إلى أبي ويقبِّلون رأسه ويده، وقد سألت أبي عن تقبيل اليد فقال بجواز ذلك، أما لأمر الدنيا فلا. ولذلك قد نقل صاحب نفح الطيب عن ابن جبير عليه رحمة الله تعالى ... قال:
فمِنَ الله فاسأل كل ما تريده ... فما يملك الإنسان نفعًا ولا ضرًا
ولا تتواضع للولاة فإنهم ... في الكِبر في حال لا تسرُّهم سرًا
وإياك أن ترضى بتقبيل كفٍ ... فإنه قد قيل عنها أنها السجدة الصغرى
وممن قال بذلك هو سليمان بن حرب كما أسنده عنه الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى كما في كتابه الورع، من حديث عبد الرحمن السامي عن سليمان بن حرب قال: تقبيل اليد هي السجدة الصغرى.
فيقال على ذلك أن من قبَّل شيئا تعبدا فإن هذا من صرف العبادة، أما من قبل سواء للأمر الدنيا ونحو ذلك، فإنه لا يصل إلى النهي وهو باب الإشراك، وهو ما قصده المصنف ... كأن يقبل الإنسان ملكا من الملوك أو من العظماء ونحو ذلك فيه شيء من الذلة والامتهان، وقد يُقال بعدم جوازه على قول بعضهم، وعلى قول البعض أنه ليس من المروءة، إلا إن كان الإنسان يقبل عالما لمصلحة في الدين ونحو ذلك فإنه لا حرج عليه، كأن يكون معلما ونحو ذلك، أما تقبيل شيء تدينا كبعض البقاع وبعض الأماكن والأحجار و الأشجار، أو بعض أجزاء البيت الحرام، كمن يقبل الأميال، ويقبل الجدارن، ويقبل الحديد ونحو ذلك ... هذا من صرف العبادة، خاصة إذا فعل ذلك تدينًا، ولا يمكن أن يفعله الإنسان لأجل دنيا، فيفعله تدينًا، فيقال حينئذ بالتحريم وعدم الجواز، و أن القُبْلة إذا صرفت بنحو ذلك تكون عبادة، وصرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى لا يجوز ... نعم: