الصفحة 53 من 105

أنه من المحال أن يصل الإنسان إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام بذاته أو جسده، ولذلك قال الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى بجواز ذلك.

وفيه بيان بركة جسد النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك تربته، ومن المحال أن يصل إليه، فعُلِّق الأمر بالجواز، وحصول المفسدة التي تترتب على ذلك من أمر محظور لا يمكن أن يصل إليه، لأن قبر النبي عليه الصلاة والسلام قد وُضِعت عليه أسوار أربعة منذ القرون الأولى، فحِيلَ بينه وبين من أراد أن يتعبَّد به، بخلاف ما جاء به الشارع الحكيم ... نعم:

ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.

والتقبيل عبادة، ولذلك قال: (لا يتمسَّح بها، ولا يقبِّلها) التمسح طلبا للبركة عبادة، فلابد للعبادة من دليل، وكذلك القبلة، هي من باب العبادات، إذا فعلها الإنسان أراد بذلك تدينا فلا بد من دليل على هذا، ولا دليل في هذا، ولذلك يُنهى عنه الإنسان، ولذلك شرع الشارع الحكيم القبلة للحجر الأسود تعبدًا، ولم يشرع القبلة لسائر أجزاء البيت، مما يدل على أن القبلة من باب العبادات.

ولذلك قد احترز جماعة من السلف عليهم رحمة الله تعالى في مسألة تقيل اليد، وكذلك مسألة تقيل الرأس، فقد أسند الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في كتاب الورع، عن عبد الرحمن السامي عن سليمان بن حرب قال: تقيل اليد هي السجدة الصغرى. وكأنه يرى تشديد التحريم في هذا، وإن كان عامة العلماء وجماهيرهم على خلافهم من جواز ذلك، ولذلك قد أخرج الترمذي عليه رحمة الله تعالى في سننه: أن اليهود لما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه مسائلهم، قبَّلوا يديه ورجليه. وقبَّل النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في يده أبو لبابة وكعب بن مالك لما قبلت توبتهما عند النبي عليه الصلاة والسلام، ونزلت توبتهما من الله سبحانه وتعالى كما في القصة المشهورة، وكذلك قد قبَّل زيد بن ثابت عبد الله بن عباس بما أخذ بخطام وزمام راحلته، وكذلك قد قبَّل عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى يد أبيه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى.

ومن نهى عن قبلة اليد والرأس فإنه حمله على ذلك في مسألة التقرب إلى الدنيا، فهذا مما نُهي عنه، ولذلك كره الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى قبلة اليد مطلقا، سواء من باب التدين أو من باب الدنيا، وكره ذلك كراهة شديدة، فقد ذهب إلى جوازها ونص عنه الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى، بل قد ذهب بعض العلماء إلى أنه قد اتفق العلماء على أنه ينهى عن القبلة لأجل الدنيا كما حكاه ابن مفلح عليه رحمة الله تعالى في الآداب الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت