على خلاف عند العلماء، ولشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى كلام في هذه المسألة في القولين، فقال في موضع أن التكفير لا يكون للإنسان إلا من توبته بنفسه، وأن الله عز وجل لا يغفره كالشرك الأكبر، وذكر في موضع آخر كذلك التوبة، قد تكلم على هذه المسألة أيضا ابن القيم عليه رحمة الله تعالى، وقد تقدم الإشارة أن ابن سعدي عليه رحمة الله تعالى في بعض رسائله قال بدخولها في سائر المكفرات لسائر الذنوب، وأنها من جملة الذنوب يكفرها الله عز وجل للإنسان بما يصيب الإنسان من مصائب وهم وحزن، وكذلك دعاء الناس للرجل بأن يتوب الله عز وجل عليه ... قال تدخل من جملة ذلك.
ولعظمة الإشراك بالله عز وجل الشرك الأكبر اختص بأنه لا يغفره الله عز وجل عن الإنسان إلا بتوبة الإنسان بنفسه، وهذا خاص بالشرك الأكبر فحسب، والشرك الأصغر على الصحيح ... أنه لا يُكفَّر، لعموم قول الله عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) إلا أن العلماء قد اتفقوا أنه يدخل في باب الموازنة، فلا يحبط ما يقابله من حسنات، أما الشرك الأكبر فإنه لا وجود لكفة أخرى لدى العبد، فإنه يحبط ما يقابله من حسنات كما قال الله جل وعلا: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) .
أما ما دون ذلك من الذنوب حتى الشرك الأصغر: هل يحبط الحسنات التي يعملها الإنسان؟
يُقال: المتقرر عند أهل السنة والذي تعضده النصوص أن السيئة بالإطلاق - سواء كانت شركا أصغر، أو من جملة السيئات التي يعملها الإنسان - أنها تحبط ما يقابلها من حسنات، كما أن الحسنات تحبط السيئات، وهذا أمر قد أنكره بعض أهل السنة، وقالوا أنه لا يمكن أن السيئة تحبط الحسنة. وهذا يفتقر إلى دليل، بالدليل يعضده، والأدلة بالكتاب والسنة واردة، قالوا الحسنات تحبط السيئات كما قال الله عز وجل: (أقم طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)
أما السيئات تذهب الحسنات: فهل ثمة دليل؟
نعم ... ثمة دليل، فقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن العالية عن عائشة عليها رضوان الله تعالى أنها قالت لأم زيد بن أرقم لما تبايع بالعينة، فقالت: أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. وذلك أنه قد ارتكب كبيرة وهو تبايعه بالعينة وأكله للربا، وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وقول الله سبحانه وتعالى أيضا: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) المُخاطب بهذا ليسوا كفرة، بل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعني بهذا من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر ... وعمر.
وهذا تحذير أن الإنسان إذا رفع صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ويدخل في هذا: الرفع عند سماع حديثه، وعدم الانتباه له، وأن ذلك مما يحبط عمل الإنسان مما لا يشعر.
لكن هل السيئة تحبط حسنات الإنسان بالكلية؟