وكان - صلى الله عليه وسلم - يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: (أجعلتني لله ندًا، بل ما شاء الله وحده) ونهى عن الحلف بغير الله وقال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
تقدَّم الكلام إلى ما أورده المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا من أن التوحيد هو الذي اتفقت عليه سائر دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من لدن نوح عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اتفقوا على توحيد الله جل وعلا بعمومه، وما اختلفوا في شيء منه بالجملة، وهذا يدل على أن الأصل وأصل الأصول والسبب الذي خلق الله لأجله الخلق هو: عبادة الله جل وعلا وتوحيده، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
ولذلك سدَّ الشارع جميع الذرائع التي توصل إلى الإشراك بالله سبحانه وتعالى وإن لم تكن بذاتها شركا بالله سبحانه وتعالى، كالحلف بغير الله، وكقول: ما شاء الله وشئت، ولو لا الله وفلان، فكل هذه من الوسائل التي توصل الإنسان إلى الغلو بالمحلوف به، وكذلك بالمستعان به، فسد الشارع تلك الذرائع التي توصل الإنسان إلى الإشراك مع الله عز وجل غيره، فجُعل ذلك من باب الشرك الأصغر.
والشرك الأصغر هو: ما كان فيه نوع تشريك، إلا أنه لا يخرج الإنسان من الملة.
وهو من أكبر الكبائر، بل هو بين مرحلتين: بين الكفر بالله سبحانه وتعالى وبين كبائر الذنوب، وهذا بالجملة لا على الاطراد في كل حال، ولذلك أشار المصنف عليه رحمة الله تعالى إلى نوعين من أنواع الشرك الأصغر مما حرَّمه الشارع الحكيم، سدًا لذريعة الشرك الأكبر، والوصول إليه، كقول: ما شاء الله وشئت. وكالحلف بغير الله سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك الأصغر عند سائر العلماء ... وهو محرم.
وقد حُكي الإجماع على النهي عنه، إلا أن النهي عن الحلف بغير الله سبحانه وتعالى وحكاية الإجماع فيه ... فيه نظر، وذلك أن الإجماع فيما يبدو أنه لم ينعقد على جعل الحلف بغير الله سبحانه وتعالى من الإشراك، ولذلك قد ثبت عن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى أنه قال بجواز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل أنه رأى أن اليمين التي يُحلف بها بالنبي عليه الصلاة والسلام تنعقد يجب فيها الكفارة، خلافا لما ذهب إليه جمهور العلماء كالإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وكذلك في رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم، أما في ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي عليه سائر العلماء المنع، لكن هل يكون من الشرك، أم يكون من المنهي عنه، أم لا؟
ذهب جماهير العلماء إلى أنه من الإشراك بالله سبحانه وتعالى، وهذا الذي عليه جماهير السلف، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من جملة المحرمات وجملة المنهيات عنه، ولذلك ذهب جملة من الفقهاء بل جماهير