الصفحة 48 من 105

ولذلك الدعاء كان من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى، لأن فيه تضمين لسائر أنواع التوحيد، فمن رفع يديه يسأل الله عز وجل حاجته، فإنه يثبت ضمنا أن الله عز وجل قادر على أن يعطيه، وأن الله عز وجل يسمعه وهو مستوٍ على عرشه سبحانه وتعالى، وهذا كله من التوحيد ... نعم:

فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) الآية

فمن يدعو حاجته من غير الله سبحانه وتعالى مما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك مع الله عز وجل غيره، ولذلك الإنسان لا يسأل أحدا من الناس إلا ما يقدر عليه، فإذا سأل غيره مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل - وهذا تقييد مهم ... مما لا يقدر عليه إلا الله، فقد يقدر عليه غيره - ... إذا سأل الإنسان من شخص حاجة ونحو ذلك، لكنه لا يقدر عليه هو لكن يقدر عليه شخص آخر، فلا حرج في ذلك لعل هذا يُبَلِّغ حاجته إلى ذاك، ولذلك المقيد بالنهي هنا: يسأل غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله، أي استثناء القدرة الله عز وجل، ولا يمكن للإنسان أن يعين غيره في هذا الباب، فهذا يكون من أبواب الشرك، فربما استعان الإنسان بآخر، وهو يعلم أنه لا يقضي حاجته لعلمه أنه يعلم أن ثمة شخص يُعِينُه، فلا حرج في ذلك ولا يدخل في هذا الباب قطعا.

وكذلك ما يفعله كثيرمن المشركين عند القبور من دعاء غير الله سبحانه وتعالى بغفران الذنب، وقضاء الحاجات ونحو ذلك، فإن هذا من الإشراك مع الله عز وجل غيره.

وأما دعاء الأموات أن يدعوا للإنسان فهل هذا من الشرك أم لا؟

هذا ليس من الشرك، بل هو من البدع المحدثات ... أن يأتي عند قبر فيقول: يا فلان، ادعوا لي. فهذا ليس من الشرك، بل هو من البدع، وفرق بينه وبين أن يأتي الإنسان إلى القبر ويقول: يا فلان، اغفر لي ... أو كن لي شفيعا عند الله. ونحو ذلك، هذا من الشرك، أما أن يأتي إلى قبر ويقول: يا فلان، أدع الله لي.

لم كان بدعة؟ لأنه شبهة، وقد ورد في الشرع أن من في القبر يسمع من يأتي ويُسلِّم عليه، وقد ثبت أن الإنسان لا حرج عليه أن يسأل الإنسان أن يدعو له في حال حياته، فيقول: يا فلان ادعُ لي. وإن كان الخبر في هذا ضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند والسنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر: (لا تنسنا يا أخي من دعائك) فهذا ضعيف، في إسناده عاصم بن عبيد الله وقد تفرَّد به وهو ضعيف، لكن إذا جاز هذا في حق الحي ... إذًا هو قادر عليه، وكان ثمة شبهة، وهي سماع الميت، فإذا شخص عند قبر فقال: يا فلان ادع لي. فيقال أن هذا من البدع المحدثات التي يجب على الإنسان إنكارها، لكنها ليست من الإشراك مع الله عز وجل غيره، لأنه يسأل شخصًا قد دل الدليل على سماعه، لكنه لم يدل الدليل على قدرته بأن يقول ذلك، فيكون حينئذ من البدع المحدثات، باعتبار أنه جائز في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت