وقد غلا في كثير من الأنبياء ... وأبرز من غلا في هذا هم اليهود والنصارى، فغلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام، بل جعل النصارى عيسى هو الذي يفصل يوم القيامة بين الناس، فيجلس فيحاسب هذا ويحاسب هذا ... وكفى في ذلك غلوا، والغلو هو الذي جلب الإشراك مع الله عز وجل غيره، بل هو أساسه، فلا يمكن أن يقع إشراك إلا بغلو ... نعم:
فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال فكل هذه شرك وضلال يستتاب صاحبها فإن تاب وإلا قتل
والاستتابة تكون ولو مرة واحدة، ويكثر عند الفقهاء تقييد الاستتابة بثلاث، ولا دليل على ذلك، جاء ثمة أثر عن علي بن أبي طالب ولا يصح، وبعضهم استنبطه من قول الله عز وجل: (إن الذين كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا [1] قالوا: في هذا دلالة على الاستتابة ثلاث. وهذا محتمل لكن لا دليل في ذلك، فالاستتابة لو حصلت مرة واحدة قامت الحجة على الإنسان ... نعم:
فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له لا يجعل معه إلهًا آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا معتقدين أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النباتات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى) (ويقولون هؤلاء هم شفعاؤنا عند الله) فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة
الدعاء على ضربين:
1 -دعاء عبادة.
2 -ودعاء مسألة.
ودعاء العبادة يدخل فيه سائر أنواع العبادة، من الصلوات الخمس، والزكاة والصيام ونحو ذلك، لأنه من جملة الدعاء، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن: (الدعاء هو العبادة) فالعبادة هي الدعاء، وثمة دعاء مسألة والتي تسمى دعاء الاستغاثة، وهو أن يسأل الإنسان من الله عز وجل حاجة، وهو داخل في النوع الأول، لأن فيه صرف عبادة لله سبحانه وتعالى.
(1) الصحيح في الآية: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ... ) سورة النساء آية 137.