ولذلك الثواب بحسب ما في قلب الإنسان من دافع إلى الشر، وكذلك من دافع إلى الخير، فكلما قوي على نفسه بمجابهة دوافع الشر، فإنه بقدر ما تكون لديه المثوبة، وبقدر كره نفسه فيما يتقرب إلى الله عز وجل من عبادة بقدر ما يكون الثواب، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل من أفاضل الأعمال ... قال: (إسباغ الوضوء على المكاره) ما الفرق بين إسباغ الوضوء على المكاره وغير المكاره؟ فسره بعض العلماء ... (إسباغ الوضوء على المكاره) قال: أن يتوضأ الإنسان في يوم بارد، أو يتوضأ على وضوء، وهذا ثقيل على النفس، لأنه على طهارة، وفي يوم بارد، والصلاة قد قرُبت، فإنه يذهب إلى المسجد أيسر له، لكنه إن توضأ على وضوء هذا من أفضل الأعمال، لأن النفس لا ترغب ذلك، والإنسان بعقله يدرك أن هذا عبادة، فيرغمها على هذه العبادة، فيكون حينئذ قد نال أعلى الدرجات.
ولذلك كان الجهاد في سبيل الله والقتال من أعظم الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، لأن النفس تكرهه، ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: (وكتب عليكم القتال وهو كره لكم) فالله عز وجل قد أخبر بأن الإنسان يكره العمل الصالح، لكنه كرها فطريا، وليس كل عمل صالح، فلا يكره التشريع، وإنما يكره البرد الذي يصيبه من الماء، ويكره كذلك أن يلقي بنفسه إلى الموت، وكذلك إلى الجراح، وفقد ماله ونحو ذلك، لكنه مُقر ومُحب لذات التشريع، كاره لما يتبع ذلك من مضرة في الظاهر على نفسه، لما يرجوه من ثواب الله سبحانه وتعالى.
وكلما كانت المدافعة بين نزوة الإنسان، وبين نصوص الشرع في قلب الإنسان، وترجحت نصوص الشرع على نزوة النفس كلما عظم الثواب عند الله سبحانه وتعالى.
ولذلك يُعلم بفساد وبطلان ما يتكلمه به كثير ممن يسمى بـ (الكُتَّاب) أو (المفكرين) ونحو ذلك، ويدعون كثير من الناس إلى الثقة بالنفس، أي (ثق بنفسك) ونحو ذلك ... هذا كلام باطل، الثقة بالنفس لا يمكن أن تجر الإنسان إلى خير، ولذلك يقول الله عز وجل: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) لأن النفس أمَّارة بالسوء، وهذا هو الأصل فيها، فإذا وثق الإنسان بنفسه دلَّته إلى الغواية والضلال، وإذا وثق بعقله وساقه مساق الشرع، فإنه حيئذ ينجو، ولذلك يُقال: (ثق بعقلك، واجعله يدور مع الشرع أينما دار) فإن هذا هو نجاة الإنسان وخلاصه من عقاب الله ... نعم:
وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير، أو تفسيق، أو معصية.
مسألة الكفر والحكم على الإنسان أنه كافر بعينه: يُطلق عليه إذا استحق الكفر، ورفعت عنه سائر الأعذار ... يُطلق عليه أنه قد كفر بعينه، لكنه لا يحكم عليه بالنار، لأنه ربما قد خُتم له بخير من حيث لا يعلم الإنسان.