وإن قال الإنسان: هل أقمت عليه الحجة أم لا؟ الأصل أنها لا تقوم الحجة على أمثال هؤلاء، لأنهم في بلد إسلام، ويجب عليهم أن يَتْبَعوا ما سمعوه من أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يُسائل الإنسان بجهله عن أصول الدين، وأصول الأحكام، وكذلك أركان الإسلام ... يُسائل الإنسان بها إن جهلها، إلا إذا علم الإنسان أنه معذور بذلك بجهله بشيء من أصول الإسلام وفروعه، أو أنه بحث ولم يتمكن من الحصول على الدليل، فحينئذ يعذر، ولذلك روى ابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث حذيفة بن اليمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُدرَس الإسلام كما يُدرَس وشْيُ الثوب) والمراد بوشْيُ الثوب: هو الثوب العتيق الذي يُدفن في الأرض، وتركه أهل وارتحلوا، فيكون قد دُرس في الأرض، و لم يبق منه إلا شيء قليل (يُدرَس الإسلام كما يُدرَس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، إلا رجالا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كانوا يسمعون آبائهم يقولونها فيقولونها) فقال: صِلة لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إلا الله؟ قال: تنجيهم من النار لا أبا لك. قد يحتج بهذا من يقول مثلا أن تارك الصلاة ليس بكافر، أو تارك جنس العمل ليس بكافر، يقال: أن هذا لا دلالة به، لأنه قال في هذا الحديث: (لا يُدرى ما صلاة ولا صيام) أي لا يدريه هو، ولا من حوله، فلا يدرى ما صلاة ولا صيام، فقد جهل أركان الإسلام بالجملة، فلا يعلم منها إلا ما ينطق به بلسانه، وهو: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأنجته من النار لأنه معذور، فمن سمع بدين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يسع إليه فتقدم أنه على حالين:
1 -إما أنه تيقن أنه إن سعى لم يتحصَّل له، فهذا يقال: أنه لا يخلو من حالين:
أ- إما باعتقاده ذلك سعى ولم يتحصل فهذا معذور.
ب- وإما قد تيقن أنه لو سعى ولم يتحصل على شيء ولم يسع، فهذا على خلاف عند العلماء عليهم رحمة الله تعالى.
2 -أما من سعى ولم يتحصل فإنه معذور.
أما من سعى وتحصَّل فإنه قد أعذر إلى الله سبحانه وتعالى، وما وصل إليه من حق وبينة فإن الله عز وجل ينجيه بإذن الله سبحانه وتعالى به.
وهذه الضوابط في مسألة إيقاع الكفر على من تلبَّس بشيء من المكفرات، هي لابد أن يستحضرها حال إيقاع الكفر على الإنسان.
1 -أولا: مسائل الاعتقاد الكلية ... الأصل أنه لا يُعذر بها الإنسان إلا في باب ضيق.
2 -كذلك يُنظر لحال الشخص هل هو حديث عهد بكفر ونحو ذلك، أو وقع عليه شيء من الأعذار التي تقع في ذاته ونحو ذلك.
3 -النظر كذلك إلى بلد الإنسان، هل هو في بلاد الإسلام أم لا.
ولذلك الرجل الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، فقال: إنني لي بمكة أهلا ومالا، فأْذَنْ لي يا رسول الله إن ذكرتك بسوء، فذهب إلى مكة وأخذ يذكر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه شاعر ... كاهن، حتى أخذ أهله وماله ولحق برسول الله صلى عليه وسلم.