فرعون ليس برشيد، فقال: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فيرى أن طريقه طريق الرشاد، و طريق غيره طريق غواية والإفساد.
إذًا ... العبرة بما يدعو الإنسان إليه من معاني لا بألفاظ، ولذلك الألفاظ يُقلِّبها الإنسان حيث أراد، ويعكسها بحسب ما يريد هواه، ويضل في هذا الباب أصحاب العقول الضعيفة، والمنهزمون الذين لا يتحملون نقدا، ولا يتحملون مواجهته، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم صمد في وجه أعداء الله عز وجل من المشركين وغيرهم، وقد وصفوه بسائر الأوصاف ... وصفوه بالسحر والجنون والكهانة والسفه والطيش، وكل ذلك بعيد منه عليه الصلاة والسلام، وهم أليق به من سائر الناس بأصله ... نعم:
فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل وأن الباطل قد يملأ الأرض. ولله در الفضيل بن عياض حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين.
وقول الفضيل بن عياض قد رواه أبو عبد الله الحاكم بإسناد صحيح عنه، وهذا من جميل الألفاظ وأحاسنها ولطيفها، أن الإنسان لا يغتر بقلة السالكين على طريق الحق، وكذلك لا يستوحش من قلتهم، ولا يهولنه كثرة السالكين لطريق الباطل، لذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جهنم تمتلئ بخلاف الجنة، وذلك لقلة أهلها بالنسبة لأهل النار ... نعم:
وأحسن منه قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين (وفي الصحيحين أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة وفي الجنة واحد من كل ألف.
وهذا الحديث في الصحيحين، وجاء على لفظين:
1 - (من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون) .
2 -وجاء في حديث آخر: (من كل مئة تسع وتسعون) .
وهذا يدل على أن العدد في هذا الحديث ليس مرادا بذاته، ولكن المراد التقليل، فإذا جمعنا الحديثين فإنه في حديث المئة يكون في الألف عشرة، وفي حديث الألف في الألف واحد، ويقال أن العدد ليس مرادا بذاته، ولكن المراد التقليل، وهذا المراد بإخراج بعث النار، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يقول الله عز وجل لآدم: يا آدم أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون) واحد إلى الجنة، وهذا يدل على قلة السائرين والسالكين على طريق الحق والمنهج القويم،