الصفحة 19 من 105

محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يعلم مجمد ما في قلوب البشر أنهم فهموا، حينئذ ستُعطل مسألة الجهاد، وسيُعطل مسألة إقامة الحجج على الناس، وكذلك تمييز الناس من فريقين بين كفار ومسلمين، فإذا اشترطنا إفهام الحجة - ولا بد من إفهامها - هذا تعلق بأمر لا يمكن للإنسان، لأن إفهام الناس متعلق بالقلب، والله جل وعلا قد أخبر نبيه بشيء لا يمكن أن يَطَّلِع عليه وهو قلوب الناس، فأفهام الناس تتفاوت، فيقال: أن كل إنسان لابد من ورود النص إليه، وسماعه بأذنيه سماعا يفهمه لو أراد أن يفهم، فإذا لم يفهم فقد قامت عليه الحجة، فكان كمن قال: أنني سمعت النص وفهمته، ولا أؤمن به. فهؤلاء كلهم سيان، قد قرن الشرع بينهم، لأن تعليق النص بغير ذلك تعليق بمُحال، وتعطيل لأحكام الشرع ... نعم:

فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذكر له أن رجلًا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير , وهذا فسر به قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) أي حرصًا على تعلم الدين: (لأسمعهم) أي لأفهمهم , فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدلا منه سبحانه لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين

الكفار على ملة واحدة مهما بالغوا في الكفر، فحكمهم واحد من جهة الأحكام الدنيوية، لكنهم في العذاب يوم القيامة يختلفون بحسب إمعانهم في الكفر، ولذلك إبليس يكون على منبر من نار يوم القيامة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه أبا طالب - وهو من الكفار - في ضحضاح من نار، أي أنه يختلف عن الكفار، ولذلك الكفار يختلفون في العذاب، كما يختلف أهل الإيمان في النعيم في الجنة، بحسب إمعانهم وتوغلهم في الكفر، لكنهم في الدنيا من جهة الأحكام سواءٌ لا فرق بينهم، من عاند وكفر واستكبر يُحارب، ومن لم يعاند لكنه أظهر الكفر من جهة الأحكام لو أنطبقت عليه الأحكام سواء لا فرق بينهم ... نعم:

فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب هو عدم الحرص على تعلم الدين , فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا المطلب , فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسًا، فان حضر أو استمع فكما قال تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم) وفيه من العبر أيضا أنه لما قال: (أرسلني الله) . قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت