به الشرائع السابقة من عموم الرسالة، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله جل وعلا إلى سائر الخلق من الجن والإنس العرب والعجم، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد فيه نظر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في يد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة، فقال: (مه يا ابن الخطاب!! أمتهوِّكون؟! و الله لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا اتباعي) إذا كان هذا في حق موسى عليه الصلاة والسلام فغيره من أهل الكتاب وغيره من باب أولى.
ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّق الأمر باستحقاق المتابعة بالسماع (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) ولذلك هذا الصحابي علي رضوان الله تعالى لما سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم استجاب لما سمعه، لأن الفطرة تدل على النجاة وسلوك طريق النجاة، ومن أعظم مسالك النجاة هو أن يسلك طريق النجاة في السبب الذي أوجده الله عز وجل لأجله، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى معلقا الأمر بالسماع لا بالفهم: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) وقال: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) علَّقه بالسماع، هل السماع كافي؟ أم المراد الفهم؟ يقال:
أنه ليس المراد الفهم، وإنما مجرد السماع على وجهه، وهذا شرط وقيد مهم في معنى السماع الوارد في النص، أن السماع كافٍ، والمراد بالسماع: هو سماع برسالة محمد صلى الله عليه وسلم على وجه يفهمها لو أراد، أما إذا سمع شيئا لا يفهمه لو أراد فهمه، فهل يكون سماع؟ ذلك السماع كافٍ أم لا؟ فيقال:
لا بد من السماع على وجه يفهمه لو أراد، أما لو سمع كلاما لا يفهمه لو أراد فهمه، فسواء أراد أن يفهم ما سمعه من حجة أو لم يرد، فيقال حينئذ: لا بد من الفهم، لا بد من إفهام السماع لا إفهام الحجة، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله جل وعلا بإسماع الناس الحجة لا بإفهامها.
قد يقول قائل: أن إفهام الناس لا بد منه حتى يفهم الحجة، يقال: ليس المقصود بذلك شرعا ... أبدا، من وجوه:
1 -أن الله عز وجل قد رفع القلم عن المجنون، وذلك لأنه لا يستطيع فهم الحجة.
2 -أن إفهام الحجة لا يمكن للإنسان أن يحدده، فقد يقول قائل لم أفهم، وهو فهم بقلبه، فهل يُقاتل أم لا يُقاتل؟ فكل الناس يقولون: لم أفهم ... لم أفهم. هل يُقاتل هؤلاء أم لا يُقاتلوا؟ يقاتلوا، وإن قالوا لم نفهم، لأن المراد هو إسماع الحجة على وجه يفهمه لو أراد، وإن وضع أصبعيه على آذانه قامت عليه الحجة، ولذلك يقول سبحانه وتعالى عن كفار قريش: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) والمراد بالإسماع هنا هو الفهم، أي أنهم ما فهموا، وما أرادوا أن يفهموا، وجملة منهم فهموا وعلموا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أنها الحق، ولذلك يقول الله عز وجل: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) علموا واستيقنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصِدْقه بما جاء به وما أخبر به عن ربه، لكنهم كفروا بالله عز وجل علوا واستكبارا، فلو لم يخبر الله جل وعلا نبيه باستيقان كفار قريش، وعلمهم بنبوة