والمؤمن لا يمكن مؤمنا كامل إلا بتوفر سائر شعب الإيمان بخلاف الكفر، فإنه يكون كافرا خالصا بتوفر شعبة من شعب الكفر المكفرة التي تخرجه من ملة الإسلام، وهذا من الفروق بين شعب الإيمان وشعب الكفر من جهة النظر بالإجمال، فالرجل لا يمكن أن يكون مؤمنا كامل الإيمان إلا بتوفر سائر شعب الإيمان فيه، والكافر يكون كافرا بتوفر شعبة واحدة من شعب الكفر الأكبر، وهذا فيه رد على ما يذهب إليه غلاة المرجئة الذين يقولون لابد من توفر أكثر شعب الكفر على المرء حتى يكون كافرا، وهذا قد ذهب إليه غلاة المرجئة من الاتحادية والحلوية والجهمية وغيرهم وكذلك غلاة المعتزلة، فالمؤمن يكون مؤمنا بدخوله في دائرة الإيمان، ويستحق كمال الإيمان بتوفر سائر شعب الإيمان، إلا أن الكفر - والمقصود به الكفر الأكبر - يكون على دائرة واحدة، ويستحقه الإنسان بتوفر شعبة واحدة، وهذا مما يخالف الإيمان، ولذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بنصوص الكتاب، كذلك بالسنة بروايته عن ربه سبحانه وتعالى: أن كفار قريش لديهم مما وقر في قلوبهم من الصدق بربوبية الله سبحانه وتعالى، وبشيء من الألوهية، وبشيء من أسمائه وصفاته، والإيمان بذلك في القلب، إلا أن ذلك لم يؤمنوا، ولا يستحقوا اسم الإيمان، لأنهم كفروا بتوفر شعبة من شعب الكفر أو أكثر، بخلاف الإيمان فلا بد من استحقاق كماله أن تتوفر سائر شعب الإيمان، وأن تنتفي سائر شعب الكفر عمن يريد أن يستحق كمال الإيمان ... وهذا من الفوارق بين شعب الإيمان وشعب الكفر من جهة الأسماء، وكذلك من جهة الأحكام.
ثم في هذا الخبر مما له تعلق بالباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة له سبحانه وتعالى، وإن كان المرء مخلصا في قلبه، وكانت العبادة في الظاهر خالصة لله عز وجل = إذا كان فيها مشابهة للكفار، ولذلك نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وذلك أن المشركين يسجدون لها من دون الله سبحانه وتعالى، فنهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك لأن في هذا الفعل مشابهة للكفار.
وهنا يتقرر مسألة مهمة وهو:
أن الإنسان يحرم عليه أن يتعبد لله سبحانه وتعالى عبادة يُظن منها أنها في الظاهر عبادة لغير الله، كمن يصلي مثلا إلى سترة في بلد يعبدون الأصنام كالبوذيين والهندوس ونحو ذلك، إذا علم وغلب على ظنه أنهم بنظرهم له يظنون أنه يسجد لهذه السترة كحائط وخشب ونحو ذلك، فإنه حينئذ منهي عن هذا الفعل، لمشابهته لفعلهم، أما إذا غلب على ظنه أنه لا يطرأ عليهم ذلك فإنه يكون على أصله من التعبد، والأصل في الصلاة إلى سترة أنه من السنن المؤكذة في الشرع، لكنها قد تخرج من هذه الدائرة إلى دائرة النهي في باب ضيق إذا دخل في هذا الباب، وكان فيه مشابهة لفعل المشركين.
ولذلك نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسجد عند طلوع الشمس وإن كان لله سبحانه وتعالى، لأن فيه مشابهة للكفار، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن نذر أن يذبح إبلا ببوانة قال: أفيها عيد من أعيادهم؟ أفيها وثن ... يعبد؟ قال: لا. قال: أوفي بنذرك. وذلك أن المشابهة في الفعل وإن كان