الصفحة 11 من 105

وسلم وجب عليه اتباعه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بأن يتبعه بجسده، وإنما يؤمن بقلبه ويأتيه بعد ذلك بجسده إن رآه قد مكَّن الله سبحانه وتعالى له، فمكَّن الله جل وعلا لرسوله عليه الصلاة والسلام فتبعه بعد ذلك، و إلا لا يُقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرجئ إيمانه إلى أن يمكن الله له، فهو على يقين بتمكين الله سبحانه وتعالى له، وإنما بعد أن علم بإيمانه به ويقين قلبه بذلك أمره باتباعه بجسده خشية عليه، وهذا فيه دلالة على مشروعية الإيمان في السر عند الاضطرار والحاجة إليه، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره مع أنه لم يكن معه إلا حرٌ وعبد: أبو بكر وبلال عليهما رضوان الله تعالى، وذلك لمصلحة رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قامت عليه الحجة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما روى مسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) والمراد بالسماع هنا: هل هو سماع باسمه عليه الصلاة والسلام أن ثمة رجل اسمه محمد ونحو ذلك ... هل هو كافر أم لا؟

لابد من السماع على الحقيقة، أن يكون يسمع بمحمد وحقيقة ما جاء به، أي أنه يكون نبي، وعليه فمن سمع بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رجل قائد، أو أنه رجل مفكر، أو كاتب ونحو ذلك، أو مؤسس ونحو ذلك، أو رجل سياسي، فإن هذا لم يسمع بمحمد ولا يأتي عليه هذا الخطب، وإنما لا بد من السماع على الحقيقة (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) المراد بالسماع: هنا أي أنه نبي أرسل، وهذا كافي، فإذا وصل إلى أحد من الناس ولم يؤمن ويتبع محمد صلى الله عليه وسلم حُكِم عليه بالكفر.

وذلك أنه معلوم بالضرورة من النصوص الشرعية وكذلك بالعقل أن من سمع بشيء قد وُجد لأجله ولم يتبعه فإنه هالك وعلى غواية، ومحاسب ومعاقب على فعله، فالله جل وعلا قد خلق الخلق لعبادته كما قال الله جل وعلا: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) إذا كان كذلك ونجاة الإنسان في هذه الدنيا عبادة الله سبحانه وتعالى فسمع إنسان بنجاته ووجودها في هذه الأرض، وسمع بها على الحقيقة ولم يتبعها، فإنه كافر حينئذ بعدم اتباعه.

ونظير ذلك من جهة العقل لو أن إنسانًا يعلم أن حياته وبقائه في هذه الأرض متعلق بوجود طعام أو سقيا من شراب ونحو ذلك، فذُكِر له طعام في مكان ما من غير تكذيب فسمع به وهو فاقد للطعام والشراب، فإن لم يذهب - وإن لم يكن هذا الخبر على يقين - فإن فعله ذلك حتى يموت موطن جريمة وعتاب عليه، لأنه فرط في حياته، ولذلك الرجل الظمآن يتبع السراب يظنه ماء، وذلك لحرصه على الحياة، مع أنه يغلب على ظنه أنه سرابا وليس بماء، لأنه إن قصر عن اتباعه كان قاتلا لنفسه، مؤثر للموت على الحياة، فاستحق حينئذ القبح والذم لفعله ذلك، كذلك إذا علم الإنسان أن سعادته في الدنيا والآخرة مرتبطة بعبودية الله سبحانه وتعالى للحق، وسمع بإنزال كتاب، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن به إلا كفر وأدخله الله جل وعلا النار.

والمراد بالسماع هو السماع الحقيقي على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن سمع بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يتبعه، وكان السماع حقيقيا، فيقال: لا يخلو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت