الصفحة 10 من 105

المشركون في الجاهلية - كما تقدم - قد أشركوا في سائر أنواع التوحيد الثلاثة، وجاءت النصوص في هذا في كلام الله سبحانه وتعالى بذكر بحالهم، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1 -فشركهم في ربوبية الله: كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب) إشارة إلى كفرهم، ويدخل في هذا ما جاء من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن الطيرة والتولة والتمائم وغيرها مما يعتقده الجاهليون أنها تنفع وتضر استقلالا من دون الله سبحانه وتعالى.

2 -وأما شركهم في ألوهية الله سبحانه وتعالى: فإنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى زلفى، مع أنهم يعلمون أن الله عز وجل هو الخالق الرازق، ولذلك أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم معترفون أنه الخالق لهم، وأنه خالق السماوات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ولذلك من أعظم الحجج على هؤلاء هو إيمانهم بأن الله عز وجل فرد في ربوبيته، فإذا كان كذلك فهو مستحق للعبادة وحده.

3 -وكذلك قد أشركوا في باب الأسماء و الصفات: كما أنكروا صفة الرحمن لله سبحانه وتعالى.

إلا أن ظاهر شركهم بالجملة هو في توحيد الألوهية، فهم قد عبدوا من دون الله عز وجل أوثانا وأصنام.

والأوثان والأصنام قيل أنهما بمعنى واحد، وفرَّق بينهما بعض السلف كمجاهد بن جبر كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث ابن أبي نَجِيحٍ عن مجاهد قال: الأصنام ما كان على صورة، والأوثان ما لم يكن كذلك. والذي عليه عامة المفسرين وتعضده سائر النصوص أن الأوثان والأصنام بمعنى واحد، فإذا قيل صنم ووثن فقد يكون على صورة وقد يكون ليس على صورة.

ولذلك بعث الله عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام لمشركي قريش ليخرجهم من الظلمات إلى النور ... ليخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ... ليوحدوا الله سبحانه وتعالى، ويفردوه في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فكان أعظم حجة احتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء إيمانهم أن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) فهم يؤمنون بأن الله عز وجل هو الخالق للسماء والأرض، ولأنفسهم كذلك، فهو المحيي المميت، فإذا كان الله عز وجل كذلك فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.

وفي هذا الحديث دلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض فروع الإسلام من مكارم الأخلاق، ومنها: صلة الأرحام، وأنه عليه الصلاة والسلام لم ينفرد بالدعوة إلى التوحيد فقط، وإنما دعا لبعض الفروع، ولكنها ليست هي بأكثر أمره أو جُلِّه، وإنما جُلُّ أمره هو توحيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك سائر العبادة إنما شرعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر بعثته وبعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وذلك لتمكن الإسلام.

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قَبِل من عمرو إيمانه، ولكنه لم يقبل منه اتباعه بجسده، وذلك أنه قد قامت عليه الحجة لعلمه بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علم أن ما قابله رسول الله صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت