قال ابن القيم رحمه الله: (ومن فَقَّهه في دينه فقد أراد به خيرًا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا) [1] .
د) ويدل الحديث أيضا على أن الفقهاء حملة العلم العاملين به لن يزالوا في هذه الأمة حتى يأتي أمر الله، لقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية البخاري: (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله) الحديث. والقيام على أمر الله لا يكون إلا بالاعتصام بالحق وبقاء حجة الله تعالى، وهذا يستلزم بقاء العلماء العاملين الصالحين، ومن هنا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة) [2] .
واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الزمان لا يخلو عن مجتهد، وأن الاجتهاد في الدين لا ينقطع حتى يأتي أمر الله [3] ، و (أمر الله) المذكور في رواية البخاري هو هبوب الريح التي تقبض روح كل من كان في قلبه شيء من الإيمان ويبقى شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الرحمن بن شُمَاسة المَهْرِى قال: كنت عند مَسْلَمة بن مُخَلَّد وعنده عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال عبدالله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رَدّه عليهم) ، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبدالله، فقال عقبة هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) ، فقال عبدالله أجل ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مَسُّها مَسّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة. انتهى. فهذا يقيد لفظ (إلى يوم القيامة) الوارد في رواية مسلم لحديث الطائفة المنصورة المذكور أعلاه.
وتدل الروايات السابقة لحديث الطائفة المنصورة على أن إظهار الحق واستقامة هذه الأمة منوط بطائفتين من المؤمنين: أهل العلم كما ذكرنا، وأهل الجهاد لقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية مسلم: (لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) ، وهاتان الطائفتان: العلماء والمجاهدون هم أهل الكتاب وأهل الحديد المذكورون في قوله تعالى]: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [[4] ، هذا ما ذكره ابن تيمية في هاتين الطائفتين [5] ، وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن إسحق بن عبدالله قال: (أقرب الناس
(1) مفتاح دار السعادة) 1/ 60.
(2) (إعلام الموقعين، 4/ 150) و (الفقيه والمتفقه، 1/ 50) .
(3) (فتح الباري، 1/ 164) .
(4) سورة الحديد، الآية: 25.
(5) مجموع الفتاوى، 10354/.