الصفحة 3 من 11

ويدل الحديث بمفهومه على أن من لم يتفقه في الدين فقد حُرِمَ الخير، قال ابن حجر: (وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى حَدِيث مُعَاوِيَة مِنْ وَجْه آخَر ضَعِيف وَزَادَ فِي آخِره:"وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فِي الدِّين لَمْ يُبَالِ اللَّه بِهِ"وَالْمَعْنَى صَحِيح؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِف أُمُور دِينه لَا يَكُون فَقِيهًا وَلَا طَالِب فِقْه، فَيَصِحّ أَنْ يُوصَف بِأَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ الْخَيْر، وَفِي ذَلِكَ بَيَان ظَاهِر لِفَضْلِ الْعُلَمَاء عَلَى سَائِر النَّاس، وَلِفَضْلِ التَّفَقُّه فِي الدِّين عَلَى سَائِر الْعُلُوم) اهـ [1] .

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يرزُق اللهُ العلمَ السعداءَ ويحرمُه الأشقياء) اهـ [2] .

ب) وأن العلم لا يكون بالاكتساب فقط (أي بالطلب والتعلّم) بل لمن يفتح الله عليه، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) ولم يقل (يتفقه) فنسب التفقيه إلى الله لا إلى كسب العبد، وإن كان كسب العبد (بالتعلم) سببا في ذلك.

-وقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية البخاري - (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أي للعلم مبلِّغ له (والله يعطي) أي يرزق الفقه لمن يشاء، فليس كل من بلغه قِسْم من علم النبي صلى الله عليه وسلم صار فقيها.

-ويؤيد هذا قوله تعالى]: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [[3] ، فثبت أن الحكمة إيتاء ووهب من الله تعالى، وروى ابن عبد البر عن مالك رحمه الله أنه قال: (الحكمة هي الفقه في دين الله) اهـ [4] .

-وروى ابن عبد البر عن الإمام مالك رحمه الله قال: (الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل) ، وعنه أيضا قال: (إن العلم ليس بكثرة الرواية ولكنه نور جعله الله في القلوب) اهـ [5] .

جـ) ويدل الحديث أيضا أن الرجل لا يقال له فقيه إلا إذا عَمِلَ بما عَلِمَ فهذا الذي يصح أن يقال فيه: (من يرد الله به خيرا) ، أما من عَلِمَ ولم يَعْمل بعلمه فمتعرض للذم والوعيد كما قال تعالى]: أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [[6] ، وقال تعالى]: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون [[7] ، ولا يجتمع المقت وإرادة الخير، فعُلم بذلك أن التفقه في الدين هو العلم والعمل به جميعًا.

(1) (فتح الباري) 1/ 165.

(2) رواه ابن عبد البر (جامع بيان العلم) 1/ 57.

(3) سورة البقرة، الآية: 269.

(4) (جامع بيان العلم) 1/ 17.

(5) (جامع بيان العلم) 2/ 25.

(6) سورة البقرة، الآية: 44.

(7) سورة الصف، الآيات: 2 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت