…فالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لم تعد تلك الظواهر الكونية المعتادة التى ألفها الحس ففقدت دلالتها في النفس،، إنما هى كائنات مسخرة بأمر الله. ولا شك أن هذا المعنى قد غير صورتها تمامًا عن الصورة المعهودة التى تبدو فيها هذه الظواهر وهذه الأجرام السماوية كأنها قائمة بذاتها، مستقلة عن أى شىء بحركتها! كلا! إنها تقوم بعمل معين. تقوم بتكليف ربانى كلفها الله إياه، وإذن فحركتها الدائبة ليست حركة آلية كما يتصورها الحس المتبلد، إنما هى حركة حية ذات غاية وهدف، وكل جزء من هذه الحركة في ليل أو نهار هو قيام بجزء من التكليف الذى يبلغ غايته يوم يغير الله نظام هذا الكون كله في اليوم الموعود. وذلك فضلًا عن التذكير بنعمة الله في قوله تعالى: (( وسخر لكم الليل والنهار000 ) )والملحوظ أن جو السورة كلها هو جو تذكير الإنسان بنعمة الله عليه، لكى يتحرك وجدانه لشكر أنعم الله، بالتوجه إليه وحده دون سواه0
…ثم يخطو السياق خطوة أخرى بلفت الحس إلى اختلاف الألوان فيما خلقه الله على ظهر الأرض من كائنات: (( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه ) )0
…ونلحظ هنا كذلك نوعًا آخر من إثارة الخيال لتتبع المشهد؛ فالآية تقول: (( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ) ) (( ما ) )بدون تخصيص شىء بعينه، نباتًا كان أو حيوانًا أو غيره.. فهنا ينطلق الخيال يتتبع كل ما ذرأ الله في الأرض من الأشياء المختلفة الألوان، فتصبح هذه الأشياء حية في الوجدان، وتتخذ صورة أخرى غير ما كانت عليه في عهد التبلد والنسيان0
…ثم يقول الله سبحانه وتعالى: (( وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) )0
…هل يمكن أن يمر الإنسان بالبحر بعد قراءة هذه الآية دون أن يتحرك وجدانه ؟