فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 433

…فالإنسان ذو الحس المتبلد قد يرى الماء النازل من السماء فلا يتذكر أن هذا المطر هو الذى يتحول إلى عيون وينابيع وآبار وأنهار يشرب منها. أو هو من الجانب الآخر قد يشرب الماء الذى يجده أمامه ميسرًا، وينسى أن هذا الماء لم يوجد في الأرض من تلقاء نفسه، بل أنزل الله له في صورة مطر، لا ينزل إلا بقدرة الله، وبحسب القوانين والسنن التى أودعها الله في الكون، فأجرى بها السحاب وأنزل منه الماء. فالنص القرآنى يوقظه إلى هاتين الحقيقتين في آن واحد: (( هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ) )، كما يلفته أيضًا إلى الشجر النابت من هذا الماء، فلا يعود المطر النازل من السماء ظاهرة مكررة مألوفة منقطعة في حسه عن الله الذى أنزله من السماء، إنما تصبح موصولة بقدرة الله، فتحيا في النفس وتؤثر فيها، بربطها بالله المنعم الوهاب 0

…ويستمر السياق يعرض أنواعًا من النبات الذى أشارت إليه الآية السابقة، فيذكر الزرع بعمومه، والزيتون والنخيل والأعناب، (( ومن كل الثمرات ) )0

…وهذه الطريقة في ذكر بعض الأنواع بالتفصيل والإشارة العامة إلى بقيتها تجعل الخيال يتحرك لتقصى ما لم يذكر بتفصيله بعد أن تتبع المذكور منه بالفعل! وهكذا يشترك الخيال مع الوجدان في تصور المشهد، ويعطى له حيوية جديدة فلا يعود هو المشهد المكرر المألوف الذى تبلد عليه الحس!

…ثم يشير السياق إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. وكلها مشاهد مألوفة مما يتبلد عليه الحس بالتكرار، ولكن السياق يذكر أمرًا جديدًا يغير وضعها في النفس، ويجعلها كأنها تعرض لأول مرة، ذلك هو قوله تعالى: (( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت