الصفحة 85 من 130

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه) . تفسير ابن كثير.

وقال الطبري رحمه الله تعالى: (وأما قوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ؛ فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم، {وتتقوا} ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجب عليكم من حقه وحق رسوله {لا يضركم كيدهم شيئا} ؛ أي: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم. ويعني بـ {كيدهم} ، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق) [جامع البيان للطبري] .

فهذه الآية يبين الله سبحانه فيها، أن المؤمنين إذا صبروا على دينهم، واتقوا ربهم في ما أمرهم به، ونهاهم عنه، لن يضرهم كيد الكافرين شيئًا، و"شيء"؛ اسم جنس جاء في سياق الشرط فدل على عموم، أي لن يضر كيد الكافرين المؤمنين لا بقليل ولا بكثير، ومفهوم المخالفة، أن كيد الكافرين يصيب المؤمنين إذا تخلوا عن الصبر والتقوى.

وقال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (أي؛ تسلطا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفع لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن"بعض"المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أولا وأخرًا، وظاهرا وباطنا) . أهـ تفسير السعدي.

والقول في هذه الآية، كالقول في الآية قبلها، فإن {سبيلا} ؛ اسم جنس نكرة جاء في سياق النفي فدل على عموم، أي لن يكون هنالك من سبيل للكافرين على المؤمنين، وهذا مع الإيمان الصحيح، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت