زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا).
فالحديث صريح الدلالة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل ربه ألا يسلط على أمته عدوًا مما سوى أنفسهم، فاستجاب المولى سبحانه دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعصم أمة نبيه من تسلط الأعداء عليها حتى يكون ذلك بسبب ذنوبها وغفلتها كما قال سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يقول تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة} ؛ وهي ما أصيب منهم يوم أحُد من قتلى السبعين منهم، {قد أصبتم مثليها} ؛ يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، {قلتم أنى هذا} ؛ أي من أين جرى علينا هذا؟ {قل هو من عند أنفسكم} .
عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل اللّه {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم} ، بأخذكم الفداء [رواه ابن أبي حاتم] .
وهكذا قال الحسن البصري وقوله (قل هو من عند أنفسكم) أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة، {إن اللّه على كل شيء قدير} ؛ أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه). أهـ تفسير ابن كثير.
وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30] .
فهذه الآيات المذكورة تدل على أن ما أصاب المسلمين إنما هو بما كسبت أيديهم، بل ترك لنا القرآن عبرة في غزوة أحد إلى يوم القيامة قال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ