الصفحة 16 من 130

القوانين، وجرت منهم كالشيطان مجرى الدم، فيتعصبون لها أشد العصبية، ويحرصون على تطبيق قواعدها والدفاع عنها، كأشد ما يحرص الرجل العاقل المؤمن الموقن بشيء يرى أنه هو الصواب، ولا صواب غيره، وينسون إذ ذاك كل شيء يتعلق بالإسلام في هذا التشريع، إلا ما يخدع به بعضهم أنفسهم أن الفقه الإسلامي يصلح أن يكون مصدرًا من مصادر التشريع! فيما لم يرد فيه نص في قوانينهم، ويحرصون كل الحرص على أن يكون تشريعهم تبعًا لما صدر إليهم من أمر أو ربة في معاهدة"منترو"مطابقًا التشريع الحديث، وكما قلنا مرارًا في مواضع من كتبي وكتاباتي، وتبعًا لمبادىء التشريع الحديث، فهؤلاء الثلاثة الأنواع: المتشرع والمدافع والحاكم يجمعون في بعض هذا المعنى، ويفترقون والمآل واحد، أما المتشرع فإنه يضع هذه القوانين وهو يعتقد صحتها، وصحة ما يعمل، فهذا أمره بيّن، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وأما المدافع فإنه يدافع بالحق وبالباطل، فإذا ما وقع بالباطل المخالف للإسلام معتقدًا صحته فهو كزميله المتشرع، وإن كان غير ذلك منافقًا خالصًا، مهما يعتذر بأنه يؤدى واجب الدفاع، وأما الحاكم فهو موضع البحث، وموضع المثل، فقد يكون له في نفسه عذر حين يحكم لما يوافق الإسلام من هذه القوانين، وإن كان التحقيق الدقيق لا يجعل لهذا العذر قيمة، أما حين يحكم بما ينافي الإسلام، مما نصّ عليه في الكتاب والسنة، ومما تدل عليه الدلائل، فإنه على اليقين ممن يدخل في هذا الحديث، قد أمر بمعصية القوانين التي يرى أنه عليه واجبًا أن يطيعها أمرته بمعصية، بل بما هو أشد من المعصية، أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين وكان كمثله سواء.

(3) - مما سبق علمت شرعًا وحالًا أن هذا المجلس قائم على الشرك الواضح المتبالغ، والشرك ضلال مبين، وذنب عظيم لا يغفره الله أبدًا إلا بالتوبة والإيمان، وصاحبه مخلد في النار، لذا كان تحذير الشرع منه أبلغ تحذير: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) في تفسير البيضاوي:"كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهى عن تعظيمها، والتنفير عن عبادتها"، (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) تفسير البيضاوي:"بعدني وإياهم، واجعلنا منها في جانب"ابن كثير:"على الإنسان أن يدعو لبنيه ذلك" (بمعناه) .

(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) تفسير البيضاوي: وضع فيه الظاهر موضع ضمير (الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ) للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ... ) الآية: العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفضل الله، وقبول النفس لها. ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت