يقول الشيخ أحمد شاكر:"نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها، نقلتها عن أوربا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه، أو يعاديه من حيث لا يشعر، وهي في كثير من أحكامها أيضًا توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل، وإن العمل بها في بلاد المسلمين غير جائز حتى فيما وافق التشريع الإسلامي، لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام، أو مخالفتها، [انظر المسألة رقم (12) من هذه الرسالة] ، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربا أو لمبادئها وقواعدها، وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه فهو آثم مرتد بهذا سواء، أوضع حكمًا موافقًا للإسلام أم مخالفًا، وقد وضع الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الدين يشرعون القوانين عن مصادر غير إسلامية فقد كانت بلاد الإسلام إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين، الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، فقال في كتاب (الرسالة) رقم -178 - بشرحنا وتحقيقنا-:"ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبته معرفته، كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور، إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه"ومعنى هذا واضح: أن المجتهد في الفقه الإسلامي على قواعد الإسلام لا يكون معذورًا إذا ما كان اجتهاده على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت في البحث عن الأدلة من الكتاب والسنة، حتى لو أصاب في الحكم أن تكون إصابته مصادفة لم تُبنَ على دليل، ولم تبن على يقين، ولم تبن على اجتهاد صحيح، أما الذي يجتهد ويشرع!! على قواعد خارجة عن قواعد الإسلام فإنه لا يكون مجتهدًا، ولا يكون مسلمًا إذا قصد إلى وضع ما يراه من الأحكام، وافقت الإسلام أم خالفته، فكانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه، بل من حيث لا يقصده، غير محمودة، بل كانوا بها لا يقلون عنهم كفرًا حين يخالفون وهذا بديهي، وليس هذا موضع الإفاضة والتحقيق في هذه المسألة الدقيقة، وما كان هو لمثل الذي نضربه، ولكنه تمهيد."
والمثل: أنا نرى كثيرًا من المسلمين الذين عهد إليهم بتنفيذ هذه القوانين والقيام عليها بالحكم بها، أو بالشرح لها، أو بالدفاع فيها، نراهم مسلمين فيما يتبين لنا من أمرهم، يصلون ويحرصون على الصلاة، ويصومون ويحرصون على الصوم، ويؤدون الزكاة، ويجودون بالصدقات، راضية نفوسهم، مطمئنين، ويحجون كأحسن ما يحج الرجل المسلم، بل نرى بعضهم يكاد يحج هو وأهله في كل عام، ولن تستطيع أن تجد عليهم مغمزًا في دينهم، خمر أو رقص أو فجور، وهم فيما يفعلون مسلمين مطمئنين إلى الإسلام، راضين معتقدين عن معرفة ويقين، ولكنهم إذا مارسوا صناعتهم في القضاء أو التشريع أو الدفاع، لبستهم هذه