فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 7

الأصل الثاني: إن لفظ الإيمان ليس مرادفًا للفظ التصديق معنى واستخداما؛ لفظ الإيمان يباين لفظ التصديق سواء من حيث مواقع الاستخدام في اللغة أو من حيث المعنى.

وأما من حيث الاستخدام فإن الإيمان يختلف عن التصديق من عدة وجوه:

أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه ولا يقال آمنه وآمن به بل يقال آمن له كما قال تعالى: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26] وقال فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه [يونس: 83] .

فإن قيل: فقد يقال؛ وما أنت بمصدق لنا؟

قيل؛"اللام"تدخل على ما يتعدى بنفسه إذا ضعف عمله، إما بتأخيره أو بكونه اسم فاعل أو مصدر، أو باجتماعهما فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه ثم إذا ذكر باسم الفاعل قيل هو عابد لربه متق لربه، خائف لربه، فقول القائل ما أنت بمصدق لنا، أدخل فيه اللام كونه اسم فاعل وإلا فإنما يقال؛ صدقته، لا يقال؛ صدقت له، ولو ذكروا الفعل لقالوا: ما صدقتنا، وهذا بخلاف لفظ الإيمان فإنه يتعدى الى الضمير باللام دائمًا ولا يقال آمنته قط، وانما يقال: آمنت له كما يقال أقررت له، فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع ان بينهما فرقًا [7/ 290 - 291، 7/ 529 - 530] .

الثاني: أن الإيمان لا يستعمل في جميع أنواع الاخبار وإنما عن الامور الغائبة ونحوها مما يدخلها الريب فإذا أقر بها المستمع قيل آمن بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الاخبار، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة؛ صدقت كما يقال كذبت، فمن قال السماء فوقنا قيل له صدق كما يقال؛ كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب فإن الإيمان مشتق من الامن فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ؛ آمن له، إلا في هذا النوع، فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الإيمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق؟ [7/ 291] .

الثالث: إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له؛ صدقت وكذبت ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر؛ آمنا له أو كذبناه، ولا يقال؛ أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال؛ هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال؛ أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك، وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الايمان ليس هو التصديق فقط بل كان إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة وانقيادًا لا يكفي مجرد التصديق [7/ 292] .

وأما عن مخالفة الإيمان للتصديق في المعنى فهو أن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، فكان تفسيره بالإقرار أقرب - وان كان بينهما فرق - فالإقرار مأخوذ من قر يقر وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن من دخل في الأمن كما أن المقر من دخل في الإقرار.

ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم يكون على وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت