أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الاقرار الذي يذكره الفقهاء، في كتاب الاقرار.
والثاني: انشاء الالتزام كما في قوله تعالى: {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] ، فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول.
وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة الى المخبر لا يقال فيه؛ آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن الطمأنينة الى المخبر، قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة الى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه بل قد استعمل لفظ الكفر - المقابل للايمان - في نفي الامتناع عن الطاعة وإلانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ إلايمان كما استعمل لفظ إلاقرار في نفي إلتزام الطاعة وإلانقياد، فإن الله أمر أبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين [7 - 531] .
الأصل الثالث: أن التصديق لا يكون بالقلب فقط ولا بالقلب واللسان فقط.
وأما عن الأصل الثالث فنقول؛ هب أن الإيمان قد رادف التصديق في بعض النقول فما هو المقصود بالتصديق في هذه النقول؟
إذا كان تصديق القلب داخلًا في المراد فليس المراد ذلك وحده، بل المراد التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب دون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه، ولا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه ولا يخافه ولا يرجوه بل يجحد به ويكذب بلسانه لم يقولوا؛ هو مصدق به، لو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا؛ هو مؤمن به.
ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل شيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع؛ أخص من الإيمان في اللغة.
والقرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه أما مقيد وأما مطلق مفسر، فالمقيد كقوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] ، وقوله {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} [يونس: 83] والمطلق المفسر كقوله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... } [الانفال: 2] ونحو ذلك، وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا إلا بالعمل مع التصديق.
وقد جرى في عرف اللغة عند العرب على أن الاسم يكون مطلقًا وعامًا ثم لا يدخل فيه أخص من معناه، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق فإنه قد بين الشارع لهم أنه لا يكتفي بتصديق القلب واللسان فضلًا عن تصديق القلب وحده بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق فبين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنًا إلا به، وهو أن يكون تصديقأ على هذا الوجه، وهذا بين في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل لها [7/ 126 - 129] .