الصفحة 47 من 237

فيكون التصديق هنا أكمل من التصديق الأول، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس الخبر كالمعاينة" [1] .

الوجه الخامس: أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله ورجائه، ونحو ذلك هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا.

فمن الأمور التي يجدها كل مؤمن في نفسه أن الناس يتفاضلون في حب الله، وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك. كما أن المؤمن يجد من نفسه أنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافة تارة أكثر مما يخافه تارة.

الوجه السادس: أن الأعمال الظاهرة هي أيضًا من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص. وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقص.

ولكن التفاضل في الأعمال الظاهرة يقتضي التفاضل في موجب ذلك ومقتضيه وهو الأعمال القلبية سواء اعتبر الظاهر لازمًا أو جزءًا منه.

الوجه السابع: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه. فكلما زادت أدلة التصديق والمحبة وقويت، وكلما ظهر فساد الشبهات وبطلان الحجج المعارضة، كلما ازداد اليقين والمحبة في قلب المؤمن.

الوجه الثامن: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، كما يحصل النقص من جهة الغفلة عنه والإعراض. فالعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك مما في القلب، هي صفات وأعراض وأحوال تحصل بحصول أسبابها وتدوم بدوامها.

والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه، والعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في ذكره له.

(1) أخرجه أحمد والحاكم والطبراني في الأوسط عن ابن عباس. وهو صحيح، صحيح الجامع (5373) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت