الصفحة 79 من 131

العوائد التي لا تعلق لها بالشرع أو لما يشبه ذلك, فهذا وأشباهه لا يكون ردة عن الإسلام لأنه لا يرجع إلى الدين وإنما يرجع إلى أمور أخرى, والله سبحانه وتعالى أعلم" [1] ."

(وفي نهاية الباب ذكر ملخصًا) :"فيه مسائل, الأولى: وهي العظيمة, أن من هزل بهذا: إنه كافر" [2] .

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-:" {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} عما قالوه من الطعن في المسلمين, وفي دينهم, يقول طائفة منهم في غزوة تبوك:"ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم, وأصحابه- أرغب بطونًا, وأكذب ألسنًا, وأجبن عند اللقاء ونحو ذلك", ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكلامهم, جاؤوا يعتذرون إليه ويقولون: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي: نتكلم بكلام, لا قصد لنا به, ولا قصدنا الطعن والعيب, قال الله تعالى مبينًا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك: {قُلْ} لهم {أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين, لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله, وتعظيم دينه ورسوله, والاستهزاء بشيء من ذلك, مناف لهذا الأصل, ومناقض له أشد المناقضة, ولهذا جاؤوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة, والرسول لا يزيدهم على قوله: {أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وقوله: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ} لتوبتهم واستغفارهم وندمهم {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} منكم (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم {كَانُوا مُجْرِمِينَ} مقيمين على كفرهم ونفاقهم, وفي هذه الآيات دليل على أن من أسرَّ سريرة, خصوصًا السريرة التي يمكر فيها بدينه, ويستهزئ به وبآياته ورسوله, فإن الله تعالى يظهرها ويفضح صاحبها, ويعاقبه أشد العقوبة, وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه, أو سخر بذلك, أو تنقصه, أو استهزأ بالرسول, أو تنقصه, فإنه كافر بالله العظيم, وأن التوبة مقبولة من كل ذنب, وإن كان عظيمًا [3] ".

(1) - قلت: وفي هذا نظر, فإن عين الحادثة التي نزلت فيها الآيات إنما كانت في الاستهزاء بالحرص على الدنيا, ولكن قد يقال إن كان الاستهزاء لمظهر الشخص أو حرصه على الدنيا ثم توافق أنه من أهل العلم أو الإيمان أو الصلاح ولم يذكر لصفة العلم أو الايمان؛ ولا يذكر الاستهزاء بصفة تعم طائفة لها ارتباط بالدين مثل (قراؤنا أو العلماء أو المؤمنون أو المسلمون أو المجاهدون) لأنه في هذه الحالة يستهزئ بهم لصفتهم هذه وهذا عين الواقعة والله تعالى أعلم.

(2) -كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز.

(3) - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن السعدي [التوبة:65 - 66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت