الصفحة 24 من 27

ولقد كان خاتم الأنبياء والمرسلين مثل أعلى في هذا الباب، تأمل إليه في حديث عمرو بن العاص الذي يرويه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح، تأمل موقفه وهو واقف بين جمع الكفار في مكة وقد أحاطوا به زمن الاستضعاف وأخذ رجل منهم بمجمع ردائه وهم يسألونه ويقولون: (أنت الذي تقول كذا وكذا؟) ، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، فيجيبهم صلوات الله وسلامه عليه بكل صراحة ووضوح ودون خوف أو وجل: (نعم، أنا الذي أقول ذلك) ، ويقول قبل ذلك: (تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) ، فتأخذ القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم في وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من قول (10) .

وكان يثبت أصحابه بقرآن ربه الذي يتنزل عليه ويذكرهم بمواقف أهل الثبات في الأمم السابقة فيقول: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويشمط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) [رواه البخاري وغيره] .

وبعد هذا كله، فإن هنالك حقيقة يجب أن لا يغفل عنها المؤمنون وأن لا تغيب عن أعينهم وأذهانهم وهي؛ أن الباطل هزيل ضعيف مهما انتفش ببهرجه او انتفخ بزخارفه، ومهما تظاهر بالقوة والمنعة والحصانة فإنه والله أحقر عند جبار السموات والأرضين من الذباب ورحم الله ابن القيم إذ يقول في نونيته:

لا تخش كثرتهم فهم همج الورى وذبابه، أتخاف من ذبان؟

نعم والله إنهم كالذباب، بل أحقر من ذباب، {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت