ولكن موسى عليه السلام وفي أشد المواقف وأحلك الظروف وأحسمها، يجيب بكل توكل ويقين وثبات تعجز عن مثله الراسيات الصم الصلاب: {كلا! إن معي ربي سيهدين} .
فماذا كانت نتيجة استحضار معية الله تبارك وتعالى هذه، وذلك الثبات وذاك التوكل، {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} .
وانظر كذلك إلى سحرة فرعون؛ بعدما استحكم الإيمان في قلوبهم، كيف لا يعبؤون بتهديد الطاغوت وتخويفه ووعيده لهم بالعذاب الأليم، إذ يقول: {قال ءامنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابًا وأبقى} .
استمع إليهم كيف يردون عليه بكل قوة وثبات وبتوكل عظيم على الله الواحد القهار، لا ترهبهم قوته التي يهددهم بها، ولا يخيفهم عذابه الذي يتوعدهم به، ولا تقلقهم سطوته أو سلطانه الذي ينتفش به، فقد استقر في قلوبهم بعد إيمانهم أن الله هو ذو القوة المتين وأن عذابه هو العذاب الأليم المقيم، وأنه تعالى صاحب السلطان القديم، فأين قوة الخالق من قوة المخلوق وأين عذاب السيد من عذاب العبيد، وأين سلطان القوي المتين من سلطان الضعفاء المهازيل، وقد كانوا من قبل يهتفون بعزة الطاغوت ويأتمرون بأمره، ولكنه الإيمان بالله تبارك وتعالى الذي يصنع المعجزات حيث وقفوا شامخين يردون على الطاغوت بكل وضوح ودون خوف أو وجل: {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا* إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} .
والأمثلة كثير وكثير ...