فإذا كان كل أحد في هذا الوجود هو دون الله الذي يتوكل عليه المتوكلون، ويدخل في ذلك كله ما يخوف به المشركون المؤمنين، إذا كان كل أولئك دون الله عز وجل، فأنا وكيف يخافهم المؤمن المتوكل على الله العزيز الجبار حق توكله، وإن لنا في التاريخ لعبرة، وأعظم تاريخ هو تاريخ الأنبياء مع أقوامهم، ارجع إليه، وتأمل مواقفهم الخالدة مع أقوامهم المستكبرين، وكيف كانوا يخوفونهم بآلهتهم ويهددونهم ويتوعدونهم بعددهم وقوتهم، وانظر في المقابل، إلى مواقف الأنبياء وصلابتها، ارتو منها، وأنهل من معينها الصافي، فإن فيها والله الزاد ... وأي زاد!
أنظر على سبيل المثال؛ إلى نبي الله نوح في عمق الزمان، واستمع إليه وهو يخاطب قومه وحيدًا فريدًا لكنه يستحضر معية الله الذي يتوكل عليه ويستشعر عظمته سبحانه، فيخاطبهم ولا يخشى سلطانهم او طغيانهم فيقول {إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} .
أجمعوا أمركم وما عندكم من قوة وما لديكم من سلطان وجبروت انتم وشركاءكم الذين تعتزون بهم، ثم افعلوا ما بدا لكم دون أن تمهلونني أو تنظرونني، ولا يقول ذلك تهورًا وحماسًا وعاطفة جوفاء أسرع ما تزول وتخبوا، وإنما يقوله وهو يعلم ان معه القوة التي لا تغلب، وهو يعلم ان معه الله تبارك وتعالى، ولا يستطيعون أن يمسوه بسوء ما دام متوكلا عليه معتصما بحبله المتين، إلا أن يشاء الله، فإن شاء سبحانه فليس ذلك خذلانًا لعبده ولكنه اختبارًا وامتحانًا وتمحيصًا.